عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
الحرب الصامتة
جريدة الجزيرة في 14/6/1431 هـ - الموافق 27/5/2010 م

إنها الحرب التي لا يكاد يهدأ لها أوار،
ولا تنطفيء لها نار، لكنها صامتة موحشة ،
لا مدافع فيها ولا طائرات، ولا قذائف
ولا متفجرات، ولا دبابات ولا غواصات ..
تعصف بالنفوس والعقول والقلوب والأرواح ..
حتى وإن سلمت منها الأبدان .. فلا دماء ولا أشلاء
حتى وإن أنكرها الأقارب
وصمت عن فواجعها الجيران ..
إلا الحزن المكبوت كل صباح ومساء
تعصف في كل حين وفي كل مكان ..
لا تكاد تمر ثانية من الزمان إلا وهي
تجذب إلى لجتها واحد من البشر
ليبدأ رحلة لا عودة فيها ..
وإن كانت العودة فهي الدمار الشامل
والحال الميؤوس منها ..
إنـهــا المخــــــــــدرات ..
حرب ميدانها الأرض بما رحبت
من أركان قادتها عابرون في الشوارع
ورؤساء في المجامع .. وشيوخ قبائل ورؤساء دول ..
والضحايا هم الأبرياء الواهمون
أو الأقارب المفجوعون ..

الليل تحرقه خطوط النار
والفجر تغرقه خيوط سعار

والريح ترسل في الظلام نحيبها
في لهفة لم تخل من أسرار

حتى كأن الرمل يسكب فوقها
أحزان من أمسوا بغير قرار

لا يعرفون سوى الدوار يلفهم
في غفلة تفضي بهم لدوار

رحلوا إلى كهف الهلاك كأنما
يخشون موت العار قبل العار

مستسلمين لنشوة قذفت بهم
للحتف بين مفاوز وقفار

في صحبة شربت مزاج سجارة
حلماً يلوح على سراب القار

يهوي بها الإدمان نحو مدارك
سوداء تغرق في الضياع الساري

خسرت إرادتها وفاز عدوها
بسقوطها في حفرة من نار

لا أهل، لا أصحاب صدقٍ، لا غدا
ترجوه، لا نعمى بأمن الدار

بل ذل من باع الحياة ليشتري
وهم الحياة على يد الأشرار

من ينقذ النشء الذي فتكت به
حيل فبات ضحية استهتار؟!

ما بين بؤس عطالة عصفت به
يحيا بها متقلب الأطوار

متطرفا حينا وحينا غارقا
في وهمه متهيئا لدمار

أو غدر ساع بالفساد مروج
سما يبيع الموت بالدولار

فاستجمعوا ما شئتم من عزمة
وقفوا أمام تخاذل الأسوار

صونوا الصغار بسيرة محمودة
حتى يروا يوماً سموّ كبار

وتعهدوهم بالمكارم وابذلوا
حبا، وذودوا حسهم بوقار

وتألفوهم كي تظل بيوتكم
مأوى جميلا يحتفي بصغار

يجدون فيها العطف في أكنافكم
والرفق في أهل وحسن جوار

من لم يجد في البيت راحة نفسه
ألقى بها في هوة الإعصار

متشردا لا يستبين سبيله
إلا على قلق وطول عثار

في كل زاوية غبار ثائر
هل يستبين الدرب تحت غبار ؟

خطفته للموت البطيء عصابة
لم تلتئم يوما على الأحرار

لكن تصيد الخانعين لأنهم
منحوا الزمام لماكر غدار

لا تغفلوا .. كم غفلة ضاعت بها
مهج .. وأمست في جحيم حصار

وخذوا على يد عابث بحماكم
فالحرب بارزة بألف شعار

لكنها لا تنتهي في جولة
بل توقظ الأخطار بالأخطار

وتقيم صرحا للقوي ومنبرا
للحر في صبح من الأنوار

يعلو به من راح يحمي أهله
من لجةٍ، ويقودهم لنهار

متألقاً فيهم بناصع صفحة
مستشرفاً غدهم بلا أعذار

مستبصراً مما يرى، مسترشداً
في حربه بتجارب الأقطار

حرب يبوح الصمت في ساحاتها
رعباً، وتسلب حدة الإبصار

لا تنتهي عن كل فجر لاهث
جزعاً، وليل تحت خط النار

هذي السموم .. وهذه آثارها
والموت ليس بآخر الآثار
                                                      
جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011