عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
المجلة الثقافية - الأثنين 21 جمادى الاولى 1424 - 21 يوليو 2003م - العدد 21

حصاد قلم الدكتور سعد ابن عطية الغامدي شاعر صاحب قضية والتزام  (رابط المقال)

ثم لم ألبث بعد ذلك غير مدة يسيرة حتى فوجئت مرة ثانية مفاجأة شديدة مذهلة، وقد عرفتموها حتما.. حيث هي قصيدة لذات الشاعر "الدكتور سعد بن عطية الغامدي".. وفي ذات المجلة "اليمامة". صعقني عنوانها، وكان صاعقا بالفعل!!
"مرثية الأموات للأموات"!!! وبعد أن تمالكت نفسي من هول "الصعقة" شرعت أقرأ القصيدة على مهل في البداية.. ولكنها كانت متدفقة، متماسكة، أو متسارعة المفردات، والمعاني.. يأخذ بعضها برقاب بعض!!

بل هي تشبه تلاحق الأمواج.. أو السيل الكبير المنحدر من أعلى القنن، وشواهق القمم.. فكان لابد أن أتفاعل مع كل ذلك بزيادة السرعة الشديدة في القراءة!! ولكني رجعت بعد ذلك لقراءة فاحصة، متأنية، ناقدة.. فبهرتني القصيدة أشد إبهار. كانت القصيدة من شعر التفعيلة، وهذا النوع من الشعر لا يستطيع امتلاك ناصيته غير شاعر متمكن من الأوزان، وخصوصيات الشعر، ودقائقه، وصياغته، وسبكه، ودقة التصرف بالمفردات، وحسن انتقائها متحا من ثروة لغوية واسعة النطاق مع الحس الشعري المرهف إلى غير ذلك مما لا يتوفر إلا لدى الشعراء.. الشعراء حقا!! ***

وكنت قد قرأت الكثير من هذا النوع من الشعر منذ بداياته، وقرأت الكثير من تنظيراته، ونقده ورغم كل ذلك.. لم يعجبني منه غير قلة قليلة لشعراء متميزين، وهم في الوقت نفسه يجيدون الشعر المقفى الموزون إجادة بالغة، وربما لذلك برعوا في شعر التفعيلة براعة خاصة متفردة، متميزة، سلسة!! ومن ذلك.. بل من صميم ذلك هذه القصيدة التي بين يدي للدكتور الغامدي ولكن رجاء دعوني أعيد نشر مقطعين منها فحسب لتكتمل الصورة لديكم.. ولتتأكدوا أيضا أني لا أطلق القول جزافا، ولا على عواهنه فلنقرأ معا:

موتوا..
فإنا مثلكم أموات
فرّوا..
فإنا كالقطيع شتات
غيبوا..
فإن الموت صار النعمة الكبرى..
وهل تصفو بذل في الحياة.. حياة؟!!
***

موتوا..
فإنا قبلكم أموات..
ولئن حيينا بعد..
إنا بعدكم أموات..
فالموت خلف ضلوعنا..
والموت فوق جباهنا..
والموت تحت جلودنا..
والموت تحت جلودنا..
والموت بين رموشنا..
موتوا..
فنحن قوافل الموت المهين..
ونحن من قبل الرفات رفات..
***

موتوا..
فإن رجالنا رحلوا..
فلكل شيخ عاجز أجل!!
ولكل طفل فاتك بطل!!
موتوا.. التشرد والأسى.. واليتم
والآلام.. وارتحلوا
فالأرض.. واسعة أمامكم
فيها لكم مثوى له أجل..
ولكم قبيل الموت من زبد اللئام فتات
***

ومادمنا قد قرأنا جانبا مهما من القصيدة الصاعقة.. فلاشك أنكم قد لا حظتم أنني لم أتعرض في مطلع مقالي هذا إلى غير الشاعرية المتألقة عند صاحب القصيدة الدكتور سعد الغامدي مع إشارات متواضعة عن شعر "التفعيلة" ومدى تمكن الشاعر منه وقد اتضح لنا خلال "12 عاما" من القصائد المنشورة لشاعرنا.. ثم من دواوينه الأربعة المنشورة أنه أصلا صاحب تمكن كبير من الشعر المقفى الموزون البالغ الدقة والروعة. ***

وأعود إلى ذكرى قراءتي للقصيدة حين نشرها قبل "12 عاما" كما أسلفت فأذكر أن أشد ما أثارني، وأزعجني حقا، هو عدم وجود أدنى إنصاف لهذا الشاعر الفحل.. لا من النقاد، ولا من الصحافة، ولا من المشرفين على الأقسام، أو الملاحق الثقافية في صحافتنا!!
وكنت أعرف أن ذلك لا يخص شاعرنا فحسب.. بل غيره من أمثاله.. وأذكر أنني قد نددت بذلك كثيرا في كتاباتي، ولكن ثار غضبي من جديد.. فكتبت مقالا نشر في "عكاظ" بتاريخ 18/8/1413هـ جددت فيه تنديداتي، وتناولت القصيدة بما أمكن من تنويه، أو نقد، ولابد لي من إعادة نشر ذلك المقال هنا حيث في ذلك ما يجنبني تكرار الحديث عن القصيدة، خاصة وقد مضت مدة طويلة على النشر.. وها هو فيما يلي:
"ليس هناك في ظني على الأقل من ينازعني الرأي بشأن اقتصار النقد الأدبي عندنا على عدد محدود من أشباه أومسخ الشعراء.. أو كذلك من أشباه أو مسخ كتاب القصة بحسب اقتراب هذا الشاعر.. أو ذلك القاص من المشرف على الملحق الثقافي في معظم صحفنا ومجلاتنا!!
قد جعل المشرف نفسه أستاذا كبيرا.. فمن اعترف، وخضع لهذه الأستاذية يحظى إن شاء الله!! ببركات المشرف الأدبي، ويصبح نتاجه مهما كانت رداءته موضوع العناية القصوى، نشرا، وتلميعا، وطيرانا به إلى ما لا نهاية له في الآفاق الأدبية!! ومن ثم يتبوأ مكانا ليس له.. بل الأحق به سواه: إلخ. إلخ. ***

أما الشاعر.. أو القاص الذي يحترم نفسه.. فلا يتزلف.. أو ينضوي تحت لواء هذا المشرف الأدبي أو ذاك فإن مصيره الصد، والرد، وقذف نتاجه في سلال المهملات!!
ليس ذلك فحسب.. بل يواجه التعتيم الكامل المقصود سلفا، وبخاصة إذا كان الشاعر لا يدور في فلك حداثي معين حيث لا تكفي "الحداثة" وحدها.. بل لابد من اتجاهات معينة فيها، فأما إذا كان كاتب قصة فيعتبر أيضا "متخلفا" ما لم يرمز للإنسان بمؤخرة القرد!!(1)
وقد جمع هذا المشرف.. أو ذاك مجموعة من المؤتمرين بأمره.. يحتكر لهم المساحة المتاحة له من الجريدة أو المجلة!!

البقية في العدد القادم

(1) نشرت إحدى الكاتبات قصة لها.. كررت فيها ذكر "مؤخرة القرد" ترمز بها لصفة الإنسان.. ويدل السياق على ذلك دلالة واضحة جداً.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011