عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
المجلة الثقافية - الأثنين 28 جمادى الاولى 1424هـ - 28 يوليو 2003م - العدد 22

حصاد قلم الدكتور سعد ابن عطية الغامدي شاعر صاحب قضية والتزام - الجزء الثاني  (رابط المقال)

وكمثال على ذلك مجرد مثال نجد شاعراً متمكناً مثل «الدكتور سعد عطية الغامدي» مغموراً في ظلمة التعتيم الذي يمارسه النقد الأدبي في الملاحق الثقافية.. فضلاً عن المنع، أو الحجب أصلاً بالنسبة لكثير من الصحف، والمجلات. وكل ذلك لا لشيء إلا لأن الدكتور الغامدي، وأمثاله تأبى عليهم كرامتهم ان يتزلفوا.. أو ينضووا تحت هذا اللواء أو ذلك فكان لابد لهم من الاهمال، والتعتيم المتعمد!! وإلا فمن منكم أيها القراء قد قرأ سطرا واحداً عن «الغامدي» باسم النقد الأدبي، ولو سلباً.. أو حتى هجاء فضلا عن استعراض قصيدة مجرد قصيدة واحدة رغم كونه ملء إهابه شعراً مليئاً دافقاً، وثقافة رفيعة راقية حقا.. حقاً!! ***

ولقد كنت في عزلتي عن الكتابة اقرأ ما فوجئت به في «اليمامة» من شعر للدكتور الغامدي.. فأجد شعراً نابضاً، متدفقاً، ممزوجاً بمسحة من سخرية رفيعة المستوى.. والأكثر من ذلك، ملتزماً بقضية.. بل بقضايا محددة.. هي قضايا، ومآسي المسلمين في كل مكان من أنحاء الدنيا عرباً كانوا.. أو غير عرب !! ويعلم سادتنا من «النقاد» أو من «المشرفين على الملاحق الثقافية» ان الشاعر دون قضية ليس شاعراً حسب رأيي على الأقل!! وإن كان من الثابت انه رأي غيري أيضاً!! أما شاعرنا الغامدي فهو بالإضافة إلى كونه صاحب قضية.. يدور معظم شعره.. أو تدور معظم قصائده حولها.. صاحب رقة، ودقة، وشفافية، وشاعرية محلقة، بحيث لو قال شعراً غزلياً مثلاً لجاء على غاية من التمكن، ربما لا يقل بها عن فحول الشعر الغزلي الرائق الشائق!! ولكنه ابتعد عن هذا المجال، وذهب بشعره الناضج ومعاناته المريرة إلى قضيته حيث «في كل زاوية دم» يقصد دماء المسلمين بالطبع!! وأجزم ان لشعره نكهة خاصة لا أكاد أجدها في شعرنا الحديث.. كما أجزم ان لشعره سلاسة لم أجدها عند من يلتزمون التفعيلة الواحدة، وذلك رغم اني بسبب تكويني الثقافي لا أتذوق غير الشعر الملتزم بالأوزان، والقافية الواحدة.. ولا أقصد «النظم» بطبيعة الحال!! فأما سلاسة الغامدي في شعره الحديث فقد جذبتني تماماً، وسعدت بها فعلاً ***

ويبدو انه لابد من ضرب أمثلة على شاعريته، ولوحة الاحساس بقضيته، وثقافته العالية، وسخريته. الرفيعة المستوى.. ولكني في الواقع لم أكتب هذا المقال بقصد الدراسة النقدية.. بل كتبته للتنويه «فقط» بما يحصل لأدباء، وشعراء من سوء انصاف، أقصد انصاف النقد الأدبي سلباً كان أو ايجابا أو هما معا!! ولكني رغم ذلك سأشير هنا إلى مثال واحد يعطي فكرة عن بعض ما ذكرته من مزايا شعر الدكتور الغامدي.. فاقرأوا معي:

موتوا..
فإنا قبلكم أموات..
ولئن حيينا بعد..
إنا بعدكم أموات..
فالموت خلف ضلوعنا..
والموت فوق جباهنا..
والموت تحت جلودنا..
والموت بين رموشنا..
موتوا..
فنحن قوافل الموت المهين..
ونحن من قبل الرّفات رفات..

***

وللقراء الكرام ان يتأملوا هذا التدفق الباهر في هذا المقطع.. ثم هذا الاحساس الشديد الحزن، والأسى المرير نحو المهانة العربية، والإسلامية حيث تعصف العواصف بهذه الأمة دون مقاومة تذكر.. بل وصل الأمر إلى «البلادة» الكاملة.. فلا يتحرك أي ساكن «قوافل الموت المهين» وليته موت شهادة «أولئك أحياء عند ربهم يرزقون» بل موت «بلادة» على حد قول المتنبي: «ما لجرح بميت إيلام»!! ومن ثم فإن حياة الأمة قد أصبحت غير ذات فرق بين «الموت» و«الحياة»!! وهذه صورة مسحوقة مهينة لواقع العرب أو المسلمين في كل مكان!! ***

ونعود بالقراء الكرام بعد هذا الاستطراد الذي يلازم أسلوبي المتواضع إلى المقطع الذي اخترناه من قصيدة الغامدي حيث نقول: إن هذا المقطع بمثابة إعلان تقبل العزاء في وفاة شهامة أمة بأسرها.. أمة عظيمة ضخمة كانت في يوم ما تسود معظم أنحاء الكرة الأرضية!! بل إن هذا المقطع تعرية قبل غسيل الموت لذات هذه الأمة التي أصبحت نهبا مشاعا لاراذل الأمم!! ولذلك يبدو الشاعر في هذا المقطع ملتهب الغضب، وليس الحزن، والأسى فحسب، بل هو يزيد على ذلك بقوله «من مقطع آخر في القصيدة» على غاية من المرارة، والسخرية، والشعور بالهوان.. بل طلب الموت إن لم تكن الأمة قد ماتت فعلاً.. أو هي على وشك!!

موتوا..
فإن الموت صار النعمة الكبرى..
وهل تصفو بذلّ للحياة حياة!!


لكأني بشاعرنا يشير إلى بيت شهير هو: تصفو الحياة لجاهل أو غافل عمّا مضى منها وما يتوقع!! ولولا أن «الأمة» قد جهلت حركة تاريخها، ونعمت بشقائها، وسعدت بهوانها: من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام ولولا ذلك.. أو بعضه لما وصلت إلى هذا الدّرك الشنيع، الفظيع، المريع!! ***

أما ان يصبح «الموت.. نعمة كبرى!!» فلا يكون إلا عندما تختلط الأمور ببعضها، وتتكسر النصال على النصال، فينعدم الاحساس، ويتبلد الشعور «البلادة، وعدم الاحساس» هما الموت حقا، روحاً.. أو جسداً.. فلا حول ولا قوة إلا بالله.. وإنا لله، وإنا إليه راجعون!! ***

وإلى هنا انتهت ذكرياتي القديمة مع شاعرنا الكبير فنبدأ إذن منذ الحلقة القادمة إن شاء الله في الحديث عن الجديد عند شاعرنا خلال «12 عاماً» فإلى اللقاء.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011