عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
أيها المتلاسنون .. إن وراءكم وطنا
الوطن في 25/2/1429هـ - الموافق 3/3/2008 م

لا يكاد يمر يوم دون أن نقرأ الكثير من الأخبار التي تشير إلى تحول في نمط الحياة ومساراتها في جوانب مختلفة منها ما بين ارتفاع معدلات الجريمة أو غلاء الأسعار أو المشاريع الاستثمارية التي تسرق الناس ادخارهم أو تجبرهم على الاقتراض ثم العجز عن الوفاء أمام انكشاف التلاعب إلى آخر القائمة الطويلة من تحولات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بما يستدعي أن يقوم ذوو الرأي والحكمة في المجتمع بدورهم في تحقيق أمور الوقاية والإسهام في أمور العلاج والكثيرون قادرون بما لهم من نصيب من تعليم أو تجربة أو وجاهة وطالما أن النية والمقدرة متوفرتان فلن يعجز أحد عن القيام بدور في تحقيق هذا التأييد .
كمــا لا يكاد يمر يوم دون أن تزخر الصحف والمنتديات والساحات بالكثير الكثير من الطروحات التي تشبه المعارك التي تدور رحاها في أنحاء شتى من العالم لكنها بين أشخاص يعيشون في ظل كنف وطن واحد ويتلقون تعليماً متشابهاً وظروف حياة متماثلة لكنهم يتلاحون في أمور لا تكاد تقدم ولا تؤخر إلا أن فيها من استهلاك الوقت والجهد والكلفة ما لا يبرر نشوءها ولا استمرارها خاصة وأنها تنتشر بين الناس فيجتمع لها مناصرون ومعارضون مما يدعو إلى تقسيم يكاد يصل أحياناً إلى أن يحسب الناس أن في الأمر ما يستدعي كل هذا وهو أهون من ذلك بكثير وإنما هي اختلافات في أمور كان أولى أن يلتقي أصحابها ويناقشوها فيما بينهم ولا يصرفوا الناس إليها على هذا النحو.
لا يكاد يوم يمر دون أن تكون هناك حاجة حقيقية إلى أن يصرف هؤلاء الكتّاب والمناظرون الكبار أوقاتهم فيما يفيد الوطن بعد أن تجاوزوه إلى ذواتهم والى أشخاصهم وأصبح وراء ظهورهم، كان جديراً بهم أن يقفوا على كثير من القضايا والمشكلات التي تظهر أو تكبر فيقفوا منها موقف المحلل لها المناقش لأسبابها الباحث عن علاج لها، بل وأن يذهبوا إلى أبعد من ذلك بالدراسات الشرعية والاجتماعية والاقتصادية وكشف من أو ما قد يكون السبب في هذه الأمراض التي إن تركت تفاقمت وأصبحت أوبئة ربما يكون من الصعب على أحد بعد ذلك الوصول إلى علاج أو تحقيق شيء من الحلول.
هــذه الملاسنة تصلح في مجتمع مترف وصل حده الأقصى من توفير الاحتياجات الأساس، أما في مجتمع يبحث عن طريق يخرجه من التخلف ومن غلاء الأسعار ومن انتشار البطالة بين الشباب والفتيات ومن ارتفاع معدلات الجرائم سواء ما كان متعلقاً باعتداءات من أجل السرقة أو باعتداءات تنطوي على تحرش بالنساء والأطفال، كل تلك تدعو أهل الشهامة من ذوي الأقلام إلى أن يضعوا جانبات القضايا الهامشية وينطلقوا في بناء الوطن بناء يقوم على حضور وجداني رفيع ومشاركة عقلية جادة وتفاهم اجتماعي راق، والمطالبة بأن تسكن النفوس قليلاً وأن تخفف من غلوائها ومن ملاحاتها بعضها بعضاً .
هنــا يتكون مجتمع يرى في الحسبة طريقاً إلى البناء والى الإنتاج وإلى الإتقان ولا يكتفي أبناؤه بالبحث عن أخطاء بعضهم وتصيدها وتحجيمها بل يبحثون عن القنوات التي تعزز من قضايا تأصيل التعاون على البر والتقوى وعلى أن يكون الأمر بالمعروف معروفاً يتهاداه الناس والنهي عن المنكر أيضاً معروفاً يتهاداه الناس، لأن الصفاء الذي يصبغ العلاقات بينهم والحب الذي يشع بين أفراد المجتمع يسمح بالكثير من القبول بل والاستبشار بالسعي في ذلك.


التحديــات التي تحيط بنا لا تمنحنا فرصة واسعة للاستمتاع بجدل أهل بيزنطة، بينما الأعداء يشحذون أسلحتهم بكافة أنواعها وألوانها وأحجامها من فكر وثقافة¬ واقتصاد وصحافة ومال وأعمال وقنابل ودبابات إنه العصر الذي لا يترك لأحد فرصة كي يستريح قليلاً ناهيك عن أن يضيع الساعات الطوال في مناقشات وملاسنات لا تنفع في واقع ولا تنشئ مستقبلاً ولكنها تجعل أصحابها يشعرون بشيء من الزهو أنهم يجدون في الحياة ميادين يحاربون فيها بأقلامهم ويسيلون محابرهم بينما المحاربون إخوة والمتحاربون أصدقاء.
وأخيـــراً لا يكاد يمر يوم دون أن يرجع أحدهم عما يدعو إليه بالأمس مكفراً عن غلوه بغلو في مجال آخر وكأن هذه الدنيا في حاجة إلى أن نقف فيها على الأطراف نبحث عن شاهق نلقي منه : أنفسنا، بينما الطريق الجادة تسع الجميع وتستوعب أكثر العقلاء، وإنما نحتاج في حقيقة الأمر إلى البحث في شيء ننفع به من يحتاج إلى نفع وما أكثرهم، وأن ننقذ من يحتاج إلى إنقاذ وما أكثرهم، ولا يكون ذلك إلا بالتجرد والخروج من أغوار الذات والاستعلاء على الأنانية التي يحسب أحدهم أنه محور الكون ورائد الحياة والحياة أعظم من ذلك حين نعشها لغيرنا وأهون من ذلك حين لا نعرف مصير الخطوة القادمة.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011