عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
الاحترام أساس التحاور
الوطن في 5/6/1429هـ - الموافق 9/6/2008 م

مــع تسارع وتيرة العولمة وتطور وسائل الاتصال والمواصلات وتقنية التواصل بين الأفراد والمؤسسات تتسارع أيضاً وتيرة الحوار في قنوات مختلفة وبلغات مختلفة ولغايات مختلفة. لكنها جميعاً تعبر عن سمات ثقافية وسياسية ودينية واجتماعية وترفيهية تدفع كثيرين إلى التعبير عن أفكارهم أو عرض وجهات نظرهم في قضايا تمس جوهر حياتهم ووجودهم .
بعـض هذه الحوارات تتم بشكل مباشر وتلقائي من غير ترتيب أو إعداد وبعضها الآخر يتم عبر مقالات ومقابلات وحوارات إذاعية وتليفزيونية وعبر الإنترنت، بينما يتم الباقي في لقاءات رسمية يتم التحضير لها والإعداد لموضوعاتها واختيار المشاركين فيها على مدى أسابيع وربما لعدة شهور.
وفـي جميع الأحوال يعبر المستوى العام لكل حوار عن عمق ثقافة المشاركين فيه ومدى اعتدال مزاجهم وهدفهم من المشاركة في الحوار واطلاعهم في الوقت نفسه على جوانب تاريخية ومعاصرة لدراسة ما يؤول إليه كل حوار باعتباره معركة فكر وحضارة وتراث وحاضر ومستقبل ليس من أجل تحقيق مكاسب شخصية محدودة بل من أجل البحث عن مساحة أوسع تجمع أكبر عدد من بني الإنسانية تحت ظل تعايش آمن يمنع التصادم ويشجع على التعاون.
وحيـث أن الحوار لا يراد منه الانتصار للذات بل تحقيق تفاهم وتناغم يجعل من الحياة ميداناً لتحقيق إنجازات إنسانية مشتركة، لذا فإن من بين متطلبات الحوار الهادف احترام الطرف الآخر وعدم الاستخفاف به أو النيل منه أو الاستهزاء بفكره ومعتقده وتراثه، ذلك أن إسقاط الاحترام يعني إسقاط مبرر وجود الطرف الآخر، ومن ثم يعتبر الحوار منتهياً منذ اللحظة الأولى.

لا يعني الاحترام قبول أفكار الطرف الآخر أو التنازل عن أفكار المحاور، بل هو المبرر الأساسي والكافي والضروري لقيام الحوار حتى يظهر كل طرف كيف يسهم فكره ومعتقده وتراثه في صناعة الحياة وصياغتها على نحو أفضل، بما يعمق الحاجة إلى التعاون في أرضية مشتركة عند المتحاورين وكلما اكتشفوا مساحات مشتركة أكبر كلما قلّلوا من إتاحة الفرصة للمتطرفين والتصادميين وصانعي الأزمات .
من بين النتائج التي توصلت إليها دراسة أجرتها شركة جالوب على مستوى العالم ضمن مشاريع "مؤسسة التعايش" أن المسلمين والأمريكيين يتفقون على الحاجة للسيطرة على التطرف الذي يوجد في كلا الجانبين وفي حين يرى الأمريكيون أن الخلافات مع المسلمين هي قضية علاقات عامة في المقام الأول حيث أن (57%) من الأمريكيين لا يعرفون عن معتقدات المسلمين ولا عن وجهات نظرهم ، فإن المسلمين يرون أن الخلافات مع الغرب هي قضية سياسات واحترام في المقام الأول.
الحــوار الذي يقوم على احترام الطرف الآخر يهدف إلى صيانة الحاضر وصناعة المستقبل، ذلك أن أكثر المستفيدين من هذا الحوار هم الأطراف المعتدلة في المجتمعات وكذلك الأطراف الضعيفة من الأقليات والنساء والأطفال الذين يحتاجون إلى الشعور بالأمان الذي يساعدهم على أن يمارسوا حياتهم بإيجابية والقيام بمسؤولياتهم على أساس من التفاؤل الذي يوقد في صدورهم جذوة الإصرار على تحقيق نجاح يحسب لهم في ظل غلبة أصحاب النفوذ في مجتمعاتهم من الرجال أو من الأغلبية التي تتمتع بحقوق اقتصادية وسياسية واجتماعية كاملة نسبياً .
كثيــراً ما يؤول الحوار إلى معارك إما كلامية تفقد الكلمات فيها أبسط قواعد الاحترام والتقدير أو يدوية يعتدي المتحاورون فيها على بعضهم البعض وقد كشفت عدسات التليفزيونات في برلمانات عديدة وفي لقاءات شتى جوانب من هذه المعارك، وقد يعبر بعض المتحاورين عن مواقفهم بالانسحاب أو الاحتجاج بتصرفات ليست من الفكر في شيء، وهو ما يقتضي أن يتعلم الكثيرون قواعد الحوار وآدابه والغايات التي يوصل إليها والمدى الطويل الذي يجب أن يحقق فيه هذه الغايات والأهداف .

الشخصية الحوارية تعبر عن حضارة يتم التأسيس لها منذ الطفولة بحيث تغدو قادرة على التعبير عن الذات ومعرفة ما لدى الطرف الآخر بعيداً عن الشك أو فقدان الثقة، ومما أورده "جون مادينا" الباحث في علم المخ في كتابه الصادر في مارس هذا العام بعنوان "قواعد المخ" قصته مع والدته التي كانت تتابع اهتماماته وهواياته لتوفير الجو العام المنزلي الذي يناسب كل مرحلة منها ولتحقيق أرضية للنقاش والحوار حتى فاجأها حين كان عمره أربع عشر سنة بأنه يريد أن يكون ملحداً مع علمه بتدينها الشديد لم تجبه ولكنها فاجأته من طرفها بكتاب "فريدرك نيتشة " قائلة إن أدركت ذلك فكن فيه من المتفوقين المبدعين، وهو درس عملي أوصله إلى بر الأمان في عالم الحوار واكتساب المعرفة واكتشاف آفاق الحياة، طبعاً لم يلحد وإنما هي التجربة التي أرادت والدته أن يعيشها .
التوجه إلى الحوار وأجوائه يعني أيضاً دراسة الآثار التي يعطيها الحوار للمشاركين في أعماله والمتعاملين معهم سلباً أو إيجاباً، وما لم تتوفر الدراسات التي تسهم في كشف هذه الآثار ومعرفة النتائج وتطور السلوك العام للمشاركين والمتفاعلين والمتابعين والمجتمع بشكل عام فإن الجهود قد تذهب أدراج الرياح ويحسب الناس أنهم يحققون نتائج في صناعة الحوار، وهم ربما ينفقون الأموال ويصرفون الأوقات في غير طائل.
والملاحظ بوضوح أن كثيراً من دراسات الحوار ومداخلاته ومناقشاته إنما هي تكرار لموضوعات أكاديمية نظرية بعيدة عن واقع الحياة المعاش الذي يحتم على المشاركين أن ينزلوا ما يبحثون فيه إلى الشارع والمؤسسات التي تتفاعل فيه ومعه وأن يجعلوا منه أسلوب حياة للاحترام المتبادل من أجل تفاهم يشعر الجميع فيه بالأمان وبأنهم شركاء في تعزيز قيم التفاعل والتعايش حتى وإن اختلفوا اختلافاً جذرياً ــ وهو وارد ــ في معتقداتهم وفي قيم الحياة الاجتماعية، ولكنهم يشتركون في قيم الإنسانية التي ينال بها بنو آدم التكريم والتقدير .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011