عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
الإغماء على الماء: جدة غير
الوطن في 12/6/1429هـ - الموافق 16/6/2008 م

يظـــل الماء سر الحياة الكبير، ويظل أيضاً في الوقت نفسه سر الممات الكبير إن وجد وإن فقد، وكذلك سر الإغماء الذي أدرك الواقفين يوم أمس وهم ينتظرون قطرات منه يبلّون بها ريقاً أو ينفذون بها متطلباً من متطلبات معيشة لا تستقيم إلا بالماء حتى ولو كان أمامه الطوابير الطوال وساعات الانتظار التي قد تتجاوز (48) ساعة والتي لا تفرق بين رجل وامرأة وشاب وعجوز ومريض وصحيح ومواطن ومقيم.
جـاءت الأزمة في موسم اختبارات فشغلت الناس بما هو أهم من الاختبارات وأصبح الشغل الشاغل لكثير من الأسر توفير متطلب الحياة وسرها الكبير، ووقف المئات من الناس في الطوابير في منظر لا يليق به إلا مدينة جدة فهي العروس وهي التي تنهل من محطتي تحلية وهي التي تنعم ببارجتي تحلية بدأت إحداهما في العمل وستبدأ الثانية قريباً فتحقق لجدة شعارها الجميل المتفرد: جدة غير .
ولأن للماء أسراره التي جعلت عالماً يابانياً هو "ماساروا إيموتو " يذهب إلى أن الماء يفرح ويغضب ويعبر عن أحاسيسه عبر البلورات التي تتشكل وفقاً للحالة الوجدانية التي يكون عليها وأخرج بحوثه في كتاب بعنوان "الرسائل الخفية من تحت الماء " وحاضر عن ذلك في كلية دار الحكمة في جدة قبل أسابيع قليلة، لأن له هذه الخواص فربما نقلها إلى المسؤولين عن المياه في جدة فجاءت الأسرار في الأخبار التي تنشرها الصحافة وهي كاشفة الأسرار لتجعل من الأمر سراً تعجز الصحافة عن سبر أغواره.
فبينما تورد صحيفة "الوطن" عدم استجابة أحد من مسؤولي المياه للصحافيين بإغلاق هواتفهم وانشغالهم في مكاتبهم أوردت "عكاظ" عن أحد القياديين قوله إن سبب الأزمة هو تهشيم إحدى شركات تصريف الأمطار الأنبوب الذي يغذي الأحياء الشمالية مما أوجد حالة اضطراب وطلب مفاجئ، وصرح آخر "للمدينة" أن السبب هو حالة استنفار تصاحب موسم الامتحانات تجعل الناس يسارعون إلى توفير المياه تحسباً للنقص فيخلقون حالة من القلق تبرر ما حدث، ويصرح آخر للوطن بأن إحدى البارجتين بدأت العمل وأن المتوفر من المياه يفوق بكثير ما كان يضخ من قبل، وتورد "الحياة" نبأ استعداد أكثر من أربعمائة مواطن لرفع دعوى أمام ديوان المظالم على مصلحة المياه بجدة مطالبين بتعويضات عن خسائر تكبدوها نتيجة عدم وفاء مصلحة المياه بالتزاماتها التي التزمت بها لهم.
وتزداد الأسرار ليجد المرء نفسه أمام ثقب مائي أسود على غرار الثقوب السوداء في الكون العظيم حين يقرأ "يا للهول" في زاوية الأستاذ سليمان المنديل في الوطن أمس حول حقائق أدلى بها وزير المياه والكهرباء في محاضرة حضرها الكاتب ومنها مقارنتنا في استهلاك المياه مع استهلاك أوروبا وهي مقارنة جميلة ممتعة ومخيفة في الوقت نفسه، وكان أحرى أن نقارن بالكويت والإمارات وقطر وعمان فهم يشتركون معناً في عادات وسلوكيات جوهرية كالغسل والوضوء والظروف المناخية من رطوبة وحرارة استثنائية، والهول في المقالة أننا خارج نطاق المقارنة في الاستهلاك العادي (اليومي) والزراعي للقمح والأعلاف وهي أرقام قد تدعو مواطنين أكثر ربما بالآلاف أو مئات الآلاف ليقيموا دعاوى أمام ديوان المظالم للسماح بهذا الهدر المائي الذي يفقد الحكيم ــ إن وجد ــ حكمته وذا اللب لبه.
إدارة الأزمات تحتاج إلى قادة يواجهون الأزمة قبل وقوعها خاصة إن كانت من النوع المتكرر كما هو شأن موسم الامتحان أو رمضان كما ورد في تصريحات مسؤولي المياه، وكذلك الاستثنائية مثل كسر أنبوب التغذية، أما أن يتخفى ــ كما ذكرت صحيفة الوطن ــ القادة فهذا يعمق الأزمة ويخلق مزيداً من الارتباك، كما أن التصريح الذي أوردته المدينة قبل عدة أيام منسوباً إلى قيادي في مياه جدة بإيقاف خدمة التوزيع عن أحياء شرق الخط السريع لمدة ستة أشهر من أجل المصلحة العامة والذي جاء متزامناً مع بداية ضخ البارجة الأولى مياهها إلى جدة فهو مما يخلق اضطراباً ومخاوف في قلوب الناس تدفعهم إلى أن يخرجوا باحثين عن الصهاريج بأي طريق وبأي ثمن مما خلق أزمة أسعار رفعت الأسعار أضعافاً أمام الحاجة الضرورية وأوقات الانتظار وأزمة جودة حيث تسربت صهاريج ملوثة يشتريها الناس تحت وطأة الخوف والقلق.
يكمن العلاج في سياسة معلنة في وسائل الإعلام تبين التوزيع على الأحياء من الشبكة وزمنه عبر جدول شهري وإيقاف التصريحات المتناقضة حيث يصرح مسؤول بأن أزمة مياه جدة مفتعلة، ثم يصرح هو نفسه بأنها مقلقة ثم يصرح بأنها على وشك الحل، واختيار أسلوب أكثر عدالة وشفافية في موضوع التوزيع من الأشياب بعيداً عن التجارة المستترة التي لا تنجح إلا في توظيف الأزمة توظيفاً سلبياً تجعل الناس يتنافسون في الحصول على السلعة أو الخدمة بأي ثمن وبأي سبيل ضاربين عرض الحائط بالعدالة أو المنطق أو الحق، بينما يدفع الوطن والمواطن ثمن هذه المخالفات ولا يستفيد منها إلا المتاجرون بالأزمات شأنهم شأن المتاجرين بالحروب.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011