عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
حلم العالم الأول
الوطن في 19/6/1429هـ - الموافق 23/6/2008 م

للعالـم الأول سحره وإغراؤه لأنه الأول أولاً ولأنه الجاد في لهوه وجده ثانياً ولأنه يمنحنا الكثير ثالثاً ولأنه يحرمنا الكثير رابعاً ثم أخيراً نحن نستمتع بلعنه متى شئنا وتمجيده متى شئنا من دون أي سبب واضح أو حرج واضح، وقد يغيب عنا أن العالم الأول صنفان صنف غربي وآخر شرقي، وأن كلاً منهما يعمل طويلاً ويتعب كثيراً ويحاسب نفسه كثيراً، ولكنه يصل في النهاية إلى تحقيق إنجازات تخفف كثيراً من عناء العمل الطويل والتعب إلا أنه يجد في المحاسبة والمساءلة ما يعينه على أن يواصل العمل بأمان يعرف فيه حدود ما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله.
العالــم الأول في الشرق وفي الغرب عالم معرفة وإنتاج وعلم وعمل ونظام والتزام، وقد ذهب كثيرون منا إليه من أجل العلم والمعرفة أو المتعة واللهو فلم يجد الكثيرون بداً من أن يلتزموا بما يلتزم به أهله من نظام وأن يطبقوا ما يطبقه بنوه على أنفسهم من التزام، فإن تجاوز بعضنا ــ كما يحبون أن يفعلوا خارجه ــ كانت المساءلة من النظام الذي يقف الجميع تحت سقفه أو من الصحافة التي لا تجد حياتها إلا في أن تكون الحارس الأمين لقيم المجتمع ــ أياً كانت ــ ومن هنا كان لمن يذهبون منا إلى العالم الأول شأن هنا وشأن هناك، وقد يجدون الراحة ربما في التزام يستعيدون به شيئاً من توازن النفوس الذي يفتقدونه حين لا يكون النظام كافياً لاستيعاب ما يقومون به .
الوثبــة إلى العالم الأول هي قرار بكل ما تحمله الكلمة من معانِ ومن ظلال، هو قرار سياسي واقتصادي واجتماعي وسلوكي، وقد يدعو إلى القرار هذا مراجعة ومحاسبة لأحوال تستدعي تحقيق هذه الوثبة، كان هذا في الثورة الصناعية في الغرب الأوربي وفي تأسيس وبناء الدستور للمهاجرين الأوربيين إلى العالم الجديد، وفي غزو الفضاء أيام كيندي وفي تحرك اليابان للقضاء على الأمية في القرن التاسع عشر وبدايات العشرين، وكذلك في سنغافورة وكوريا الجنوبية وماليزيا، كان القرار سياسياً في بدايته وتحركت القوى الاقتصادية والاجتماعية والمعرفية تدعمه وتؤازره وتخدمه حتى يحقق الغاية التي دعا إليها ومن هنا يبدأ العمل ومعه التعب ولكن حين يتحقق الإنجاز تكون النشوة حافزة لمزيد من العمل والتعب والإنجازات .
فـي كتابه الصادر في ربيع 2008م يدعو "Daniel Pink" في كتابه "عقل جديد كلياً " العالم الأول في الغرب إلى أن يغير من عقليته المفهوماتية التي أخرجت العديد من المحترفين في مجالات الطب والمحاماة والمحاسبة والمعلوماتية إلى أن يغيروا عقولهم لتوظيف آليات يستخدمها العالم الأول في الشرق حتى يستطيعوا التنافس أمام معطيات جديدة تتمثل في الحواس الست التي أطلق عليها : الرسم والقصة والسيمفونية والتقمص العاطفي والتمثيل والمعنى وهي التي يحتاج إليها كل من يريد أن يتخذ لنفسه موقعاً متميزاً في عالم الغد الذي تصنعه اليوم عقول آسيوية في العالم الأول منه سواء في مجال الأعمال أو المسار المهني على المستوى الشخصي، وباختصار يدعو الكاتب إلى تعزيز القدرات الشخصية باستخدام شقي الدماغ الأيمن والأيسر معاً من أجل تحقيق أكبر قدر من التميز دون التركيز على الشق الأيسر من الدماغ كما هو شأن العالم الأول في الغرب.
لــم يكن Pink الأول الذي يميز بين عالم أول في الغرب وعالم أول في الشرق بل كان ذلك واضحاً في كتاب "Amartya Sen" الكتاب الهندي من أصل بنغالي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد حين أوضح في كتابه "الهوية والعنف: وهم المصير الحتمي" أن خدعة الحضارة الغربية مقابل ما عداها إنما هي دعوى ساقطة من بدايتها فليس هنالك حضارة إقليمية أو جغرافية بل هو التعلم والإرادة والقرار الذي يتخذ من أجل تحقيق غاية عظمى، وأن الثقافات الإنسانية تتكامل وتنتقل عبر التاريخ والجغرافيا وضرب الكثير من الأمثلة التي بيّن فيها حقول المعرفة الإنسانية وانسياب العلم فيها انسياب الماء في القنوات.
العالــم الأول مكانة احتلتها شعوب كانت قبل عقود قريبة تعيش حالاً من الجهل والفقر والتخلف ولكنها حين عزمت على أن ترحل إلى العالم الأول جعلت من التعلم سلاحاً ومن العزيمة ذخيرة ومن المنافسة العادلة ميداناً رحباً ومن المسؤولية معياراً، واختارت طريق العمل لأنه الوحيد الذي يوصل إلى غد التحرر من المعوقات، ومن ثم تجد التعليم العام المتميز والتعليم العالي المرتبط باقتصاد حي، بل إن منها من جعلت من التدريب العسكري شرطاً لمواطنة صالحة وشخصية جادة قبل الالتحاق بالجامعة، ويدور جدل عارم الآن في سنغافورة بشأن حالات وفاة سقط فيها شباب نتيجة الظروف القاسية والإرهاق والإجهاد في التدريب الذي يخضعون له .
أمــا شاغلو الوظيفة العامة في العالم الأول فهم خدم مدنيون لا يملكون أن ينهروا طالب الخدمة أو يحرموه منها أو يماطلوا في تقديمها أو يتفننوا في إهانة المتقاطرين للحصول عليها كما يفعل "رجال الميري" في العالم الثالث، بل تجد الخدم المدنيين هناك متميزين في أداء أعمالهم من أول دقيقة حتى آخر دقيقة شأنهم شأن خدم القطاع الخاص، لأن الأمور تحتاج إلى أناس منجزين.
كما أن الانتقال إلى العالم الأول يحتاج إلى قرار والى أموال مما يستدعي تعزيز دور ما يسمى بالحكومات المحلية فتصبح الميزانية مستقلة لكل وزارة حكم محلي أو إدارة عامة وتتخذ القرارات وفقاً لآلية مؤشرات الأداء والإدارة بالأهداف، ولا ينتظر الناس وزيراً في الحكومة المركزية يعلن صباح مساء أنه وحده يتحمل كافة الأخطاء التي يرتكبها موظفو وزارته، ثم يستمر سيل الأخطاء منهمراً ولا أحد يحرك ساكناً طالما أن المسؤولية تقبع هناك وربما تحصد الأرواح وتتابع الجراح ويضيق الليل بآلام ذوي الأحزان.
حلــم العالم الأول جميل ورائع وشفاف، ولكنه يستدعي أن ينطلق الجميع في تحقيقه مدركين أن المسؤولية هي أمانة في عنق كل واحد وأن الإنسان والزمان والمكان لا تنفك عن بعضها في تحقيق بناء بطله الأول: الإنسان في حدود الزمان الذي لا يتوقف عن الحركة والمكان الذي يشهد معالم التحول، وما لم يسهم كل واحد رجلاً وامرأة في البحث عن موقع له في تحقيق التحول فإن قصور الإنسان عن حمل هذه المسؤولية سوف يطيل زمان الإنجاز ويجعل المكان متلهفاً للإنسان الذي يحمل في جوانبه روح الإنسان وضميره ووجدانه، بل قد تغمر المكان معالم البنيان في غياب إنسان يحسن إنشاءها ويحسن التعامل معها .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011