عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
الصحة القاتلة
الوطن في 26/6/1429هـ - الموافق 30/6/2008 م

أفاض الدكتور عبدالله دحلان في مقاله يوم أمس في هذه الصحيفة تعقيباً على ضجيج الآلة الإعلامية حول كبار المسؤولين الحكوميين وكان مقاله تحديداً عن وزارة الصحة وما دار في مؤتمر المعرفة الذي عقد في المدينة المنورة، وقد استوقفني كثيراً ما ورد في المقال إضافة إلى التصريحات التي سبقته في بعض الصحف ومن أهم ما قرأت تصريح معالي الوزير أن نسبة غير السعوديين في القطاع الصحي تبلغ (80%) وكذلك تصريح الدكتور حسين الفريحي عن أن الذين تم اكتشافهم بالتزوير لشهادات مهنية خلال (16) سنة بين السعوديين لم تتجاوز خمس حالات وأنهم يحملون مؤهلات صحية لكنهم يبحثون عن أفضل، كممرض ينتحل مهنة طبيب أي أنهم من داخل الحقل نفسه.
معالي الوزير يذكر أن هناك توجهاً لبناء (97) مستشفى جديداً حيث رصد لها (17) بليون ريال، و (2000) مركزاً صحياً جديداً أي أن المستشفيات سوف تزيد بنسبة (40%) تقريباً من (250) مستشفى حالياً إلى (350) مستشفى، وسوف تزيد المراكز الصحية بنسبة (17%) من (12000) الآن، ولم يتحدث معاليه عن كيفية توفير الكوادر البشرية لهذه الزيادة الكبيرة في المرافق الصحية، في ظل النسبة التي ذكرها معاليه وهي (80%) غير السعوديين في القطاع الصحي، والنسب كلها تستحق الوقوف عندها من أجل البحث عن إجابات قادرة على خلق جو من الفهم أو الطمأنينة أو الثقة في أن الكلام ليس ضمن متطلبات الآلة الإعلامية.


هنــاك الكثير من الأخطاء الطبية التي لا يمكن القبول بها ولا السكوت عليها، ولا يكاد يمر يوم دون أن تتحدث كل صحيفة عن خطأ طبي جسيم في كل منطقة من مناطق المملكة، وليس غريباً في ظل هذه النسبة الطاغية للوافدين في مجال حيوي وحساس من أن تكثر الأخطاء، خاصة إذا أضيف إلى ذلك كثرة ما يكتشف من تزوير للوثائق المهنية أو الممارسة التي لا تستند أحياناً إلى وثائق، وأن الكثير من الأخطاء بحكم النسبة الغالبة وبحكم ضعف معايير الاختيار والرقابة والمتابعة ستكون من أصحاب النسبة الغالبة، كما أن من يتمكن منهم ويتقن عمله يجد استقطاباً بمغريات كبيرة في دول أوروبية غربية وفي أمريكا الشمالية وأستراليا ولن يبقى لدينا إلا الذين لا يجدون مكاناً في هذه ا لبلاد التي تمنح الجنسية من بين ما تغري به.
لعــل من أقرب ما يتبادر إلى الذهن لتحقيق أمن صحي وطني إنشاء صندوق على غرار صندوق تنمية الموارد البشرية يهدف إلى الاستثمار في إعداد الكوادر البشرية في القطاعات الصحية بحيث تتولى وزارات التخطيط والاقتصاد والمالية والصحة والتعليم العالي والعمل الإعلان عن مشروع وطني متميز لاستنقاذ البلاد من هذه الثمانين في المائة والتي قد ترتفع مع الزيادات في المستشفيات والمراكز إلى أكثر من (90%)، في ظل سؤال بسيط جداً : ماذا يحدث لو قرر كثير من هؤلاء هجرة بلادنا والانتقال إلى أي مكان آخر من العالم الذي يتحول سريعاً ؟ هل نغلق هذه المستشفيات والمراكز ؟ أم نبحث عن أي نوعية مهما كانت رديئة في سبيل الحفاظ على تقديم خدمة أياً كانت؟
ليـس غريباً أن تظل الأخطاء الطبية بكل أنواعها تنمو وتتكاثر، وليس غريباً أن تظل الشكوى على أساس يومي مما يصل إلى المسؤولين ومما لا يصل، ومما يصل الإعلام ومما لا يصل، وليس غريباً أن يذهب الناس بمرضاهم إلى كثير من المستشفيات الحكومية فلا يجدون من يستقبلهم لأن هناك فجوة ونفوراً، مهما حاولنا أن نلتمس المبررات، فإن لجأوا إلى المستشفيات الخاصة فلابد من تأمين جيد وشامل أو مبلغ نقدي يدفع مقدماً، وليس غريباً ألا تتطور الأمور إلى الأسوأ إذا بقينا نتحدث عن مرافق تقام ولا نسعى في إعداد كوادر بشرية متمكنة عبر مرافق تعليمية غير تقليدية أو تجارية تفكر في الحصول على المال فقط دون النظر إلى أن الشخص الذي سوف يتخرج تقع عليه مسؤوليات مهنية وأخلاقية وإنسانية ووطنية عالية.
فـي ظل غياب إعلامي صحي متخصص يحقق نقلة في الفهم وفي الرقابة وفي تبصير الناس بما يجري من حولهم بحيادية وأمانة وإنصاف، على الصحافة أن تمارس دوراً فاعلاً بالقيام باستطلاعات دورية على نحو ثابت تكشف فيه عن طبيعة البيئة الصحية، وكيفية التفاعل معها أو الارتقاء بها، وأن تكون هناك قناة يستطيع أصحاب الشأن من خلالها إنشاء حوار يهدف إلى تحسين الأحوال بالكشف عن الأخطاء وأسبابها وكيفية التغلب عليها أو عدم ارتكابها أو تكرارها، وأن تجعل من الإحصاء والأرقام وسيلة تعبير وأسلوب خطاب حتى لا يكون الكلام خالياً من المعنى، ومتى استطاعت الصحافة القيام بهذا الدور الحيوي فإنها تخلق محفزاً في قلوب وعقول الكثير من الشباب والفتيات لارتياد هذا المجال الذين يرون في حال توفر المرافق التعليمية والتدريبية المتمكنة أن بوسعهم أن يضيفوا قيمة حضارية لخدمة وطنهم وأهليهم ومصدراً آمناً للدخل.
ولأن الشيء بالشيء يذكر فقد تجد بعض الصحف في مقال نشرته مجلة "Readers Digest" في عدد يوليو 2008م نموذجاً لهذه الإحصائيات التي لا تحتاج إلا لصحفيين يمتلكون ناصية الإتقان ليقدموا المفيد والممتع معاً، حيث أوردت المجلة في استبيان شمل العديد من الولايات (41) سراً لا يمكن لطبيب أن يبوح بها لمريض إضافة إلى جدولين إحصائيين عن مجلات طبية متخصصة في الولايات المتحدة ومن بين هذه الأسرار: "أن العينات الطبية ليست الأفضل ولا الآمن" ومنها أيضاً: "أن أفضل الأطباء هم أولئك الذين لا يترددون في أن يقولوا: لا أعرف" أو "لست متأكداً" ، بينما أشدهم خطراً هم الذين يظنون أنهم يعرفون وهم ليسوا كذلك، ومنها "أن الطبيب غالباً ما يجعل مرضاه ينتظرون بينما يستمع إلى ثرثرة مندوبي شركات الأدوية"، وكذلك "بينما يظن الناس أن الأطباء يعرف بعضهم بعضا، إلا أن الحقيقة أنهم يحولون إلى أطباء لا يعرفونهم لكنهم يوافقون فقط على قبول بوليصة التأمين التي يحملونها" ، ومن بين الإحصائيات أن (60%) من الأطباء لا بتبعون الأساليب الصحية لغسل اليدين، وأن (96%) من الأطباء يوافقون على الإبلاغ عن زملاء المهنة غير المؤهلين أو غير القادرين أو الذين يرتكبون أخطاء جسيمة ومع ذلك فإن (46%) من الأطباء اعترفوا بأنهم أغمضوا أعينهم عن مخالفات لمرة واحدة على الأقل، وهذا في بيئة يجري فيها إعداد الأطباء وانتقاؤهم وكذلك العاملين في المجال الصحي على نحو عالِ من الإتقان والمتابعة.
تصبح الآلة الإعلامية إيجابية وبناءة وقادرة على الإسهام في البناء الحضاري حين تكرس إمكاناتها وقدراتها ومواهبها وكوادرها لعمل يضيف قيمة كل يوم، خاصة حين تتوفر الأموال التي يراد لها أن توظف من أجل إنجازات أكبر، ولذا تصبح هذه الآلة إما شاهد صدق حين تتجرد من الأجندات غير الشخصية والأهواء وإما شاهد زور حين لا تعرف من مصلحة الوطن إلا ما وافق هواها وحقق أمنيات من يصوغ الأخبار ومن ينشرها، ولذلك تسهم في جعل الحياة أقل جمالاً وأكثر صخباً وأبعد عن الإثارة الجميلة الفاعلية، وتسهم في تحقيق قتل بطيء مهما زينته بالصور والرسوم .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011