عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
صناعة المجرمين
الوطن في 4/7/1429هـ - الموافق 7/7/2008 م

ليـس أشد إيلاماً على النفس من عقاب يأتي متأخراً جداً بعد أن يكون صاحبه قد تاب واستقام وصلح حاله وأصبح من أصحاب الإحسان والإتقان، والأكثر إيلاماً منه ووجعاً أن يكتشف بعد حين من الدهر أن العقاب الذي أوقع بمن يفترض أنه المجرم لم يكن إلا الخطأ الذي ارتكبه القضاة والمحلفون وأصحاب القدرة على الإيقاع بأقرب شخص حتى إذا انكشفت خيوط جديدة إما في التحقيق أو في استخدام الحمض النووي تبين المجرم الحقيقي، كما حصل الأسبوع الماضي في تكساس حين تم الإفراج عن سجين بقي في السجن منذ عام 1991م حتى أثبت الحمض النووي أن المجرم هو شخص آخر، لكن القانون لا يجيز محاكمته أو معاقبته لمبدأ التقادم الذي يمنع المحاكمة بعد مضي فترة زمنية يحددها القانون، وخطر في ذهني حينئذ حالات أشخاص أدينوا وهم أبرياء وأوقع القصاص بهم ثم تبين أن المجرمين غيرهم.
لكـن مبدأ التقادم هذا لم يشفع لطالب بريطاني تخرج من الثانوية العامة بتفوق أتاح له فرصة الالتحاق بكلية الطب في "إمبريال كولدج" ذات السمعة العريقة في جامعة لندن ومن بين أفضل كليات الطب في العالم ثم حين أوضح أمام لجنة خاصة في الجامعة أنه ارتكب جنحة سرقة حين كان في السادسة عشرة بادرت بإلغاء الكلية قبوله ولم تسمح له بمواصلة دراسته على الرغم من أنه أصلح سلوكه وشارك في أعمال خيرية أسهم من خلالها في جمع أحد عشر ألف جنيه استرليني للأطفال الفقراء وذوي الاحتياجات، إضافة إلى تفوقه في الثانوية الذي أتاح له القبول في الكلية العريقة، وكأن المسؤولين يقولون له: أولى بك أن تستمر في السرقات.


قصـة هذا الشاب الذي دفع ثمناً باهظاً لخطأ ارتكبه حين كان حدثاً يذهب من هو في سنه إلى عيادة الأطفال في المستشفيات لا إلى عيادات البالغين أعادت لي منظر شباب في بداية العشرينات من أعمارهم حين كنت في زيارة لأحد السجون في المملكة رأيت على وجوههم وقرأت في عيونهم الكثير من العلامات والإشارات يفيض أكثرها بالحسرة والمعاناة لكنها لم تفقد بعد الأمل ولم يجنح بها اليأس إلى أن ترتمي في ذهول أمام خطأ أوصلها إلى محكومية تصل في بعضها إلى ثلاث عشرة سنة من العيش وراء القضبان، وحين سألت مدير السجن قال: بأن القضاة في فترة من زيادة معدل جرائم التسوّر (تسلق الأسوار أو الجدران بغرض السرقة) لسرقة مكيف أو أسطوانة غاز أو ما شابه ذلك شددوا العقوبات حتى يخفضوا هذا المعدل المرتفع، وحين حضرت الحفل الترفيهي الذي أقامه السجن كان هؤلاء الشباب في قمة الإبداع والتألق والإتقان وحزنت كثيراً لحالهم مرتين: بما ارتكبوه وبما صدر بحقهم من تغييب في غياهب السجون .
واسترجعـت بعد ذلك كله قصة "فردريك شيلر" الذي بيّن من خلالها كيف أن المجتمع يصنع من الفرد مجرماً أحياناً في الوقت الذي يسعى فيه هذا الفرد إلى أن يكون عنصراً صالحاً، وإنما هو خطأ يرتكب ــ وليس أحياناً من الفردــ فيه لتقع العقوبات التي تأخذه إلى أبعد بكثير مما يسمح به فكره وقدراته حتى إن حاول الإصلاح وجد أن المجتمع لا يزال يتربص به ليلقي به في سجن لمحترفي الجريمة كي يخرج من بين هؤلاء وقد عرف من قصصهم وتجاربهم ما يكفي لأن يفعل ما يفعلونه إلا أنه يصر على أن يكون صالحاً، ويصر المجتمع على خلاف ذلك حتى يصدر أخيراً حكم بإعدامه، وتنجح النظرة السالبة والممارسة القاسية في القضاء على شخص كان يمكن أن يكون ممن يحققون إيجابيات لو أن المجتمع تقبلهم وآواهم.
كثيرة هي الأمثلة على أن العقوبات يكتنفها الكثير من الظلم والأخطاء والنظرة المتحيزة وهي ما تجعل من البحث عن بدائل في علاج الأخطاء والمخالفات ما يبني في نفس الإنسان حب الخير وإيثار الآخرين والبحث عن المنافع وتحمل العناء في سبيل تحسين الأوضاع المعيشية ومواجهة الحياة بصبر وتفاؤل يبعثان على البحث عن فرص العمل الشريف، وإلا فقد يخطئ الإنسان انتقاماً لظلم وقع عليه أو رداً لاعتبار أمام إهانة تعرض لها، أو لأنه يشعر بالحاجة الماسة إلى مالٍ إما ليسد به رمق جوع يعاني منه وأسرته أو طلباً لعلاج لأحد من أفراد عائلته، لكن الحيلة لم تهده إلى السبيل القويم أو لأن الإحباط ضيق عليه منافذ الفكر والتأمل حتى لم يجد من سبيل أمامه إلا الطريق الخطأ الذي هو في نظره أقرب الطرق وأسهلها.
أمـــام ضغوط الوقت والعمل والرغبة في الإنجاز السريع يلجأ في الغالب المحققون إلى طي ملف القضية والبحث عن أقرب شخص تتوفر فيه صفات المجرم الذي ارتكب الجريمة، مع أن الواقع خلاف ذلك لكنها الظروف التي ألقت به إما في المكان الخطأ أو الزمان الخطأ أو المحقق الخطأ، أو يلجأ القاضي إلى إصدار حكم فيه من القسوة ما لا يدع فرصة للشخص كي ينتفع بالعقوبة خاصة حين تكون العقوبة مبالغاً فيها فيلجأ الشخص إلى البحث عن مبررات للقبول بها فإن لم يجد فقد يبحث عن مبررات للانتقام من المجتمع الذي لم يجد فيه ما يعينه على أن يستعيد وعيه الإنساني في تكوين حياة رشيدة يشعر من خلالها بالتقدير والاحترام.
تتداعى المعاني أمام كثرة الجرائم التي يعج بها المجتمع اليوم والتي لا تكاد صفحة جريدة من الجرائد تخلو من الحديث عنها، وتتداعى مع ذلك كله معاني أخرى نجد أننا في أمس الحاجة إلى الحديث عنها وهي التي تتعلق بالتثبت من شخصية من قام بارتكاب الجريمة، ومن البحث عن استصلاحه عبر برامج يسهم المجتمع في ابتكارها أو في تطبيقها خاصة مع الوفرة التي بدأنا نلاحظها في مؤسسات المجتمع المدني التي يمكن من خلالها توجيه بعض أصحاب الجنح والمخالفات البسيطة والجرائم غير الخطيرة حتى يمارس مرتكبوها عملاً صالحاً في المجتمع ويوضعون تحت الرقابة والملاحظة مع الحصول على تقرير دوري عن الشخص من القائمين على مؤسسات المجتمع المدني وأئمة المساجد وأصحاب الرأي من ساكني الأحياء، لأن استصلاح الإنسان أعظم أثراً في بناء المجتمعات من تعريضه لعقاب قد يجعل منه مجرماً محترفاً يبرر ما يفعله معه المجتمع.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011