عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
ثمن الصمت والكلام
الوطن في 11/7/1429هـ - الموافق 14/7/2008 م

للإنجــاز في حياة الناس أبطال عديدون ربما لا يعرفهم أكثر الناس ولكن أهم هؤلاء جميعاً العمل الدؤوب والصمت الطويل، العمل الذي يشغل الإنسان بالتفكير والتأمل وتنسيق الجهود وبعث الأمل في الفريق حتى يظلوا على إصرارهم والمتابعة المستمرة التي لا يزعجها تتابع ساعات الليل والنهار أمام الوصول إلى الغاية وتحقيق الهدف والفرح بالوصول إلى حيث ينبغي أن يصل إليه الفريق، ويجري كل هذا في بحر من الصمت الذي لا يدع مجالاً للكلام ورفع الأصوات لأن العمل يفسده الكلام وإن قل، والكلام يعيق العمل وإن قل أيضاً فكأنهما لا يجتمعان معاً في آن واحد كالليل والنهار، وهنا فليس للذين يعملون إلا أن يكرسوا أوقاتهم لما وطنوا أنفسهم عليه، وليس للذين يتكلمون إلا أن يبسطوا ألسنتهم وأقلامهم وحوارييهم لما لا يحسنون إلا إياه .
والإعــلام ساحة واسعة فسيحة تستوعب الكثير من الكلام والصور الشخصية وغير الشخصية، وقد يفتن البعض بها لأنها المسرح الذي يتحرك عليه أبطال الكلام ورجال الصور فيمارسون أدوارهم ويتقنون بطولاتهم ويراقبون جمهورهم الذي يزور المسرح على الورق أو في عالم الفضاء الرحيب، ويجدون من السعادة ما يغنيهم عن متاعب العمل ومشقة الجهد الذي يحتاج إليه المنجزون الذين لا يرون من هذه المسارح إلا ما يسد رمق الفضول الذي لا يكاد إنسان أن يستغني عنه أو يتحرر منه، وكأن السباق في مضمارين متعاكسين متضادين: مضمار يقود إلى نتائج يلمسها الناس ويتعاملون معها واقعاً يعيشون أحداثه ومعالمه، ومضمار يخدرهم بالكثير من الكلمات والوعود والصور والتصريحات التي يحسب أصحابها أنها هي الواقع الذي يبحث الناس عنه، لأنها تهب في نفوسهم مشاعر إشباع يرون أنها هي الغاية مما يطمحون إليه.
هــؤلاء المسرحيون يحتاجون إلى من يجذب الجمهور لهم ويوزع بينهم قسائم الدخول لمشاهدة مسرحياتهم ويحمل معهم الوعود التي ينشرونها في المجتمع، ولن يأتي هؤلاء ليعملوا بالمجان فلابد لهم من مكافآت وإكراميات تجعلهم قادرين على التحرك وعلى التأثير على الجمهور وعلى مواصلة متطلبات الحياة، ومن ثم فمن الضروري أن تخصص لهم الميزانيات لتغطية ما يحتاجون إليه كي يقوموا بأدوارهم ويغردوا أمامهم ويستمروا في نشر الوعود وتغذية الجمهور بما يجعله في انتظار الأحداث الجسام التي تغير من نمط حياتهم وتحقق لهم ما يصبون إليه من رفاهية وطمأنينة وسلام في أوجه حياتهم المختلفة، وتلك مهمة ليس باليسيرة ولا بالمتواضعة مادياً، فلابد من الجهود ولابد من الأموال، وكلاهما يبذلان لدى المنجزين لكن في عالم آخر غير المسرح الإعلامي العريض، وإنما في مجالات الإتقان والأداء السليم وتحقيق النتائج التي يتذكرها الناس وربما لا يعرفون أبطالها.
يحتاج المجتمع إلى من يعينه في تشخيص الحالة التي يعاني منها وينشيء تبعاً لذلك المسابقات والمنافسات التي تكشف عن الأداء والإنجاز والتميز لكن بموضوعية وإتقان لا يقوم به إلا الذين تجردوا من أوهام المصالح الشخصية ومن تبعات المجاملات الاجتماعية والمصلحية ومن شبكة العلاقات التي تحبط الكثير من عناصر الاستقلال ومن مبادئ الموضوعية والعدالة والنزاهة، تأتي هنا ــ أيضاً ــ الحاجة الماسة إلى قيام أفراد ذوي بصيرة وحماس وغيرة على المجتمع بقياس أداء الجهات الحكومية على نحو شفاف وموضوعي ومستقيم، وتفتح للمستفيدين أبواب المشاركة في صنع مجتمع منتج لا يلتفت إلى الوعود وإنما ينظر إلى النتائج، ولا يحدق في صور الأشخاص وإنما يتأمل صروح المنجزات التي تحققت من وراء الجهود التي بذلها عاملون لا يرون أن الكلام هو السلاح بل الصمت ومواصلة الجهد وإنكار الذات.
وسـائل الإعلام من صحافة وتليفزيون وإذاعة تتحمل مسؤوليتها هنا في الحالين حين تفسح المجال أمام المزايدين بالكلام والمتاجرين بالوعود وكذلك حين تفتح باباً للتقييم يقيس بكل شفافية وأمانة وموضوعية أداء الأجهزة المختلفة على كل صعيد وفي كل مدينة صغيرة وكبيرة حتى لا تكون الأمور خاضعة لآراء مجتهدين من المراسلين الذين يعملون في بعض الأحيان لحساب من يدسونهم في مجالات الإعلام حتى يحققوا لهم ما يريدونه من تلميع وترويج، وحين تبدأ عجلة القياس تدور ويرى الناس النتائج ماثلة للعيان فإن الكثير من الأمجاد الكلامية سوف تتهاوى ويحل محلها المطالبات الحادة بتحسين الأداء وتنظيم الجهاز والقضاء على التسويف وعلى الفساد، ويتنفس الناس الصعداء لأن الإعلام بدأ يمارس سلطاته التي تعبر عن ضميرهم وتتحدث عن آمالهم وتكشف عن طموحاتهم.
تتحول الصحافة عندنا تدريجياً نحو ممارسة النقد البناء الذي يسهم في تحقيق تنمية حقيقية تقوم على كشف أوجه القصور والحديث عنها بأمانة وبموضوعية لا بدافع التشهير وإنما من أجل تحقيق أهداف التنمية ورفع مستوى الكفاءة والشعور بالمسؤولية والتركيز على النتائج والبعد عن التبذل في صناعة أمجاد لوطن تعتبر خدمته قمة كل مجد والعمل من أجله وتطويره من أهم ما ينبغي أن نوطن أنفسنا عليه ونعد الأجيال للقيام به، ولا ينصرف المديح إلا للذين يحققون نتائج استثنائية نفاخر بها العالم كله لأننا نرى ما يصنع الآخرون وما يقدمونه لبلادهم وما يسهمون به في صناعة أمجاد لا تتحقق إلا بالعمل الدؤوب والصمت الذي لا يقطعه الكلام ومراقبة آثار الكلام، وهنا تتميز أوجه العطاء ويتضح للناس حقيقة قيام ذي المسؤولية بالعمل على نحو سليم والشعور بأن الأمانة تقتضي أن تتم الإنجازات بأفضل القدرات وأكثرها إتقاناً وأقل التكاليف وأبعدها عن التبذير والإسراف .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011