عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
حين يكافيء الأبرياء اللصوص
الوطن في 5/11/1429هـ - الموافق 3/11/2008 م

الدعـوة التي يطلقها ويسعى إلى تحقيق آثارها بعض القادة الغربيين في ضرورة قيام الخليجيين والصنيين بالإسهام في استقرار مالي عالمي يعالج آثار الزلزال المالي الأمريكي هي دعوة جديرة بالنظر فيها والتدقيق في جوانبها، ذلك أن مكافأة اللصوص والمحتالين الذين كانوا وراء هذا الزلزال لا تكون من جيوب ومدخرات الأبرياء الذين فقدها كثير منهم إما في صناديق استثمارية شخصية أو عامة فينطبق المثل الشهير حشف وسوء كيلة، فلاهم يستطيعون استرداد ما طار منهم في هباء الاستثمارات الوهمية، وهم في الوقت نفسه مطالبون بالإسهام في توفير ما يضمن أن تكون توابع الزلزال أقل خطورة إن كان ذلك ممكناً .
هــذا على صعيد الجانب المالي، وهناك أيضاً مواقف أخرى يسعى القادة الغربيون إلى إقحام أبرياء أيضاً في معالجة آثار قرارات سياسية أو عسكرية خاطئة بل مدمرة، مستخدمين في ذلك كله العقلية الاستعمارية التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم ومستندين أيضاً إلى الاستجابة التي يتمتع بها كثير من الذين حسبوا أنهم تحرروا من الاستعمار وخرجوا من غياباته، ولكنهم لا يزالون ــ مدركين أو غير مدركين ــ يرسفون في أغلاله التي تتمثل في كثير من جوانب الحياة التي يحيط بها التخلف والإحباط وسوء القرارات والتحكم في مصائر الأمور العامة بشكل بعيد عن روح المشاركة والتفاعل الوطني .
إن أي إسهام في أي صندوق يدعو إليه القادة الغربيون يجب أن يكون مبنياً على قواعد واضحة شفافة تبين أولاً فداحة الأخطاء التي ارتكبها هؤلاء الساسة حتى وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه من إهمال للبنية التنظيمية وغض الطرف عن التلاعبات والفساد الذي حذر منه كثيرون، ثم محاسبة المسؤولين المباشرين عن هذه الأزمات سواء أكانوا في مواقع اتخاذ القرارات العامة أو القرارات في الشركات والمؤسسات الاستثمارية والبنوك التي أغفلت مسؤوليتها في الحفاظ على أموال المودعين والمستثمرين وإن لم تتم محاكمة هؤلاء وإيقاع العقوبات عليهم فليس أقل من إبعادهم عن أعمالهم وإتاحة الفرصة لمن تتوفر فيهم الكفاءة والمسؤولية وإلزامهم ببرنامج واضح المعالم لقيادة فيها ثقة ومصداقية وشفافية .
وقبــل أن يبادر الخليجيون والصينيون إلى التسابق في توفير هذه الخدمات للقوى الاستعمارية التقليدية، فإن عليهم أن يدرسوا جيداً أمام برلماناتهم ومجالس شوراهم ومجالسهم الاقتصادية وأولي الفكر من القائمين على مؤسسات المجتمع المدني الفاعلة الذين عليهم أن يدرسوا ما هم مقبلون عليه وآثاره والعائد عليهم من هذا الإسهام وضمان أموالهم التي لم تتبخر في الزلزال بعد أن تكون بمأمن من أي ملاحقات أو مصادرات أو تلاعب، وكذلك ما هو دورهم في توفير سياسة واضحة المعالم ورقابة تضع الأمور في مسار صحيح، وإلا كانت الأمور ابتزازاً جديداً واستمراراً للحال التي آلت إلى ما يعاني العالم منه اليوم، دون أن يكون هناك أي مكسب يتحقق لهؤلاء الذين يساهمون بالمال وكأنه ضريبة تدفع ضمن الضرائب التي ستجبي من مواطني تلك الدول.
ثــم إذا تحدث هؤلاء الاستعماريون اليوم وفي ظل هذه الظروف الخانقة وتحت هذه النخبة المدمرة التي ساق الناس إليها الجشع والطمع والسعي وراء الكسب السريع الحرام، إذا تحدثوا عن توفير ما يحتاج إليه الفقراء والمعدمون في مناطق مختلفة من العالم فأين كانوا عنهم قبل هذه الأزمة، أم أن الأزمة سوف تستخدم ستاراً تتم من خلاله الدعوة إلى جوانب إنسانية تطفح بها قلوب هؤلاء القادة الذين لم يكن لهم نصيب من ذلك لو لم يجدوا أنهم في حاجة إلى تلميع محلي ودولي يسهم في توفير قدر من الاحترام والهيبة تساعدهم على تحقيق مآربهم في وقت وصلت فيه الثقة في كثيرين منهم إلى مستويات متدنية .
إن العالم اليوم يمر بأزمة أخلاقية غير مسبوقة، فاحترام الإنسان لنفسه ولأخيه الإنسان لا يكاد يجد من يحتفي به، والرحمة التي تبعث على دفء الحياة وتحفز الناس إلى التواصل الآمن قد انحسرت إلى درجة كبيرة، وإلا فأين القادة العظام عن سجن غزة الكبير الذي يقبع بين جدرانه قرابة مليون ونصف المليون من الفلسطينيين الذين لا يجدون القوت ولا الدواء ولا الكهرباء ولا الوقود ولا المياه بل وتضيف لهم دولة الاحتلال غصة أخرى بدفن النفايات النووية بمحاذاتهم، وأين هؤلاء القادة العظام عن مآسي العراق التي يتجرعها أهله بسبب غطرسة أمريكية فاضحة، وأين هؤلاء عن معاناة الأفغان، وعن مجازر أفريقيا ومآسي الصوماليين الذين حين أوشكت مآساتهم على انتهاء سعت القيادة الأمريكية إلى إقحام أثيوبيا في قلب الصومال لتنتقم وتبطش وتفسد كل سبيل لحياة كريمة.
لا ينبغي أن يعود الاستعمار تحت أي شكل من الأشكال وبسبب أي ظرف من الظروف، وحتى وإن كانت شعوب العالم النامي تعاني من قيادات وطنية غير قادرة أو راغبة في توفير ما يحتاجون إليه وما يستحقونه من حياة كريمة فإن ذلك ليس مبرراً لها في كسب رضا قادة الاستعمار التقليدي كي يأتوا في ظل ظروف استثنائية كي يرسخوا أقدامهم وينهبوا ثروات الشعوب، ولا ينبغي أيضاً أن يدفع الأبرياء والمتضررون مكافأة للمحتالين واللصوص تحت أي ظرف لأن الأنظمة الغربية تملك من الوسائل والإمكانات والسبل ما تستطيع من خلاله معالجة هذه الآثار دون إقحام آخرين لا شأن لهم بما حصل ولا قبل لهم بما يمكن التعويض به .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011