عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
مسك العروس
الوطن في 12/11/1429هـ - الموافق 10/11/2008 م

فاستعملوا المسك في عرس السرور به
فالمســك للعــرس والكافــور للكفـن

هكــذا الإبداع عند أولي العزم من أصحاب الخطط والمخططات الذين يعرفون كيف يكون اختيار الكلمات وكيف تستثار الهمم والرغبات، فالعروس لا يناسبها إلا أفضل الطيب وأجمله : المسك ، ولذا لم يجدوا ما يناسب الحال، حين قرروا إنشاء البحيرة أو بعد حين إلا أن يطلقوا عليها "بحيرة المسك" لتكون اسمى على مسمى وقد يكون اسماً جاءت به قرائح الملهمين من أولي الضرر، ولم يجدوا من يخالفهم كما حصل قبل أيام في اختلاف مسؤولين على تسمية مشروع مماثل باسم الرئيس الأمريكي الحالي وطال الجدل لكنه أمر يناسب الحال والمقام.
وجــاءت البحيرة التي تحمل المسك اسماً لها، واحتلت الجانب الشرقي من جسد العروس، حتى يكون البحر من الغرب والبحيرة من الشرق، ولأن الكثيرين من أهل جدة والذين يشدون إليها الرحال بحثاً عن البحر والعبق والهواء العليل لابد أنهم يسمعون بأنها ليست مدينة البحر وحده وإن كانت المشروعات السياحية بدأت تغزو الكورنيش فيه فتلتهم ما يقع في طريقها، ولكنهم يسمعون من حين لآخر بأنها أيضاً مدينة البحيرة إلا أنهم لم يجدوا في الخارطة السياحية ولا بين الأدلاء من يدلهم إلى هذه البحيرة فيشعرون أنهم يفقدون الاستمتاع بالبحر والبحيرة.
الأحلام في أكثر الأحيان جميلة تفتح لصاحبها أبواب الخيال والاستمتاع بما لا يمكن تحقيقه في عالم الواقع، ويظل للأحلام أبطالها الذين يصنعون بها واقعاً ويغيرون بها حياة ويبنون بها مستقبلاً ويضربون مثلاً لقدرة الإنسان على التسيّد مهما كانت مكانته الاجتماعية، إلا في مجتمعات المستحيل على الواقع والأحلام فهذه لا مجال فيها لشيء من ذلك، وإن كان أحد يستحق أن يضرب به المثل في بطولة صياغة الحلم الواقع فهو باراك أوباما الذي خرج من أنقاض تراكمات عائلية وعرقية واجتماعية ليكون النموذج في التغيير.
إلا أن الصحافة أحياناً تفسد على أصحاب الأحلام العميقة أحلامهم، فقد خرجت صحيفة الوطن يوم الجمعة الماضي في صفحتها الأولى بما قد يفزع الحالمين حين ذكرت عن استعدادات للدفاع المدني ومنها ثلاث مروحيات وخمسون غواصاً في احتياطات انهيار بحيرة المسك واجتياحها جسد العروس الذي لا يحتمل كل هذه الكميات من المسك وهي التي تعاني من البحر وما يكتنفه من تسربات المسك إليه، إضافة إلى الطائر الأسود الذي استضافته العروس ذات عام ليعينها فكان وبالاً عليها.
كيــف لبحيرة مسك أن تصبح مصدر خطر وهي التي كانت مرتعاً لخيالات الراغبين في النزهة شرقاً إن أصابهم ملل التنزة في الشواطيء الغربية، وكيف تكون مصدر إزعاج لمسؤولين أعلنوا ويعلنون صباح مساء أنها أكثر أمناً من وصيفاتها في هولندا بلاد الأنهار والأبقار والمراوح العملاقة،كيف ذلك وقد أيقن المسؤولون بشهادة الهولنديين وغيرهم أن البحيرة آمنة ومسالمة وأنها تستقبل ما تستقبل في دعة وهناء، ولا خير في استعدادات تذهب بأحلام الراغبين في النزهة، أو الراغبين في طمأنة التابعين قريباً من البحيرة أنهم آمنون .
المروحيات والغواصون وبقية الاحتياطات خطوات استباقية من أجهزة الدفاع المدني وهم يرون ما حل بكثيرين في أودية وعلى طرق سريعة أو غير سريعة كان ينبغي لها أن تنال حظاً من الاستعداد والإعداد لتأمين سلامة القاطنين والعابرين. لأن الإهمال في توفير ذلك إزهاق لحياة العشرات من الأبرياء وعجز في الأداء وتقصير في حماية الوطن والمواطن، ولا يكفي أن يضع أحد في حسابه أن الأمطار لا تأتي إلا بعد سنوات وأن السيول إن جرفت هؤلاء فذلك لأنهم اختاروا أن يسكنوا أو يسلكوا هذه الأماكن أو هذه الطرق.
تحتاج البحيرة وأمثالها إلى مؤشر مخاطرة يحدد درجة الخطورة من خمس درجات أو أقل أو أكثر ويحتاج القاطنون قريباً منها أن يعرفوا حجم الاحتياطات التي ينبغي عليهم القيام بها وكذلك أنواع الإنذارات والتحذيرات المرتبطة بدرجات المخاطرة، ولا يكفي أن تتخذ إجراءات عامة غير محددة وغير واضحة، ولا يليق أن يتسابق مسؤولون إلى التخدير بدلاً من التحذير، فالسيول إن زادت فقد تكون النتائج خطرة، والعواقب مؤلمة، ومسؤولية الناس أمام عائلاتهم وجيرانهم تحتم عليهم أن يطالبوا بخارطة مخاطر واضحة المعالم والخطوات.
إضــافة إلى ذلك كله فالحلول الجذرية أي التي تبحث عن جذور المشكلة وتأتي عليها من أساسها لتعالج وتفتح الأبواب لواقع آمن هي المطلوبة، وليس باحتياطات هي من أنواع المسكنات التي لا تأخذ في الحسبان القضاء على المرض وإنما تلطيف العرض، وحتى لو كان من هذه الحلول إنشاء بحيرة أخرى في الجزء الجنوبي من العروس أو تخفيف ما يلقى به في بحيرة المسك لأن ذلك تعميقاً للمشكلة وليس حلاً لها، ولا ينبغي أن تكون الخطط قصيرة الأجل آنية النفع بل تحتاج البلد إلى مشروعات تحقق الثمار عبر مئات السنين وليس لشهور أو لسنوات معدودات.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011