عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
الحث على الجريمة
الوطن في 3/12/1429هـ - الموافق 1/12/2008 م

تعجــب كثيراً .. بل تخاف كثيراً حين ترى أن صحيفة سعودية واحدة لا تكاد تخلو كل يوم من عدد من الأخبار المروعة عن العنف الأسري الذي يبدأ من الضرب أو التعنيف إلى الإعاقة أو القتل، وفي ذلك ما فيه من عواقب وآثار تبقى جراحاً في جسد المجتمع، تفرز المزيد من الجرائم إما في شكل محاكاة أو ردود فعل أو انتقام، وتعجب أكثر حين تجد أن هذه الأحداث التي بدأت تأخذ شكل الظاهرة لا تكاد تجد من كثير من المسؤولين ما يبرر إطلاق صفة المسؤولية عليهم، وفي ذلك ما فيه من تشجيع على استمرار هذه الظواهر المخيفة التي تشكل نواة زلزال اجتماعي يدمر القيم والأخلاق ويزرع بذور العنف والجريمة.
لكنــك تعجب أكثر وأكثر حين ترى أن حالة عنف واحدة تهز المجتمع البريطاني بأسره وتزلزل أركان الحكومة وتخرج رئيس الوزراء يهدد ويتوعد المقصرين في عدم الكشف عن أي عنف كان يمارس في حق طفل قضى نحبه بسبب سوء معاملة أمه وصديقها وصديقهما مالك الشقة، وأول ضحايا هذا الزلزال هو إنهاء خدمات الطبيبة التي أجرت الفحص على الطفل ولم تكتشف أن ظهره مكسور إلى جانب خمسة أضلاع وأحد أظافره مخلوع، وكذلك فريق الخدمة الاجتماعية الذي زار الشقة عدة مرات وعرف عن الحالة ولم يتخذ بشأنها أي خطوات.
لكــن العجب يبلغ عندك ذروته ويكاد يقذف بك في مهاوي فقدان القدرة على الفهم حين ترى عالماً جليلاً يدعو في شيء من الحكمة والعقل !! إلى أن تقوم المرأة بضرب زوجها إن هو ضربها ثم تجد من يناصر هذا الرأي الحكيم العاقل بحيث ينتصر له أحد الصحافيين ذوي الظهور اليومي ويؤيد ما يذهب إليه من نصرة إلى أنه شاهد بأم عينيه كيف أن نساء لديهن من الفتوة والقوة والعضلات ما استطعن به أن يطرحن رجالاً أرضاً ويفعلن بهم ما فعلن وأن هذا الضرب ليس بالعسير على بعض النسوة.
تعجــب أي رجل هذا وتعجب أكثر أي امرأة هذه ، وتحار كثيراً أي أسرة يمكن أن تكون نتاج هذا النوع من السلوكيات بل من الانحرافات إلا العدوانية والانتقامية واستخدام العضلات كلها إلا عضلات اللسان الجميل والقلب الرحيم والمخ السليم، وتتصور ــ وهذا من حقك ــ أن البيت الذي يجب أن تسوده السكينة والرحمة والمودة إنما هو وكر عصابة تغلب عليه لغة العصا والسوط والكرباج بل وفي أحيان كثيرة السكين والساطور والمسدس والرشاش، وتخاف حينئذ إلى الدرجة التي تتمنى فيها لو أنك لا تملك القدرة على التصور ولا التخيل ولا حتى الإحساس .
الرســول ? ينصح امرأة من الصحابيات حين استشارته في أمر زواجها قائلاً أن أحد الثلاثة الذين تقدموا لها لا يكاد يضع عصاه عن كتفه، وهي إما إشارة إلى كثرة السفر أو إلى أنه يضرب وهي الأغلب، وقال عليك بفلان، لأن صاحب العصا لا يصلح من البداية أن يكون زوجاً ولا رب أسرة ولا أباً يحتمي بحماه الصغار من البنين والبنات، هو في حالة استعداد واستعداء لأن يضرب أو يهم بضرب، والحياة تحتاج إلى الحب والى الرحمة وإلى التسامح والتأمل والتعقل حتى يستطيع أهلها القيام عليها وعلى شؤونهم فيها بكل رحابة صدر وبكل شعور بالأمان والاطمئنان .
كــان المتوقع من العالم وهو القاضي من قبل، وكان المتوقع من الكاتب وهو المفكر والمسافر كثيراً، أن يبحثا عن حل فيه من السلامة ما يمنع الاعتداء أصلاً، إما باجتناب أصحاب السلوك العدواني فطرة أو سلوكاً مكتسباً، وإما بالدعوة إلى إقامة جوار رحيم في كل حي من الأحياء بحيث يصبح الجيران أو في الجيران من يقدمون على إقامة مجالس للصلح والتوجيه والإرشاد والسعي في بث الحب بالتواصل وإخراج ذوي العادات الشاذة إلى النور حتى يروا أن المجتمع لا يقبل هذه القسوة وهذا العنف، هذا إن فشلت الروابط الأسرية في القيام بواجبها بالمحافظة على استقرار العلاقة بشكل مقبول.
وهنــا يأتي إن فشلت العلاقات الأسرية وفشلت بعد ذلك العلاقات الاجتماعية في تحقيق حد الأمان، يأتي دور مؤسسات المجتمع المدني وهي التي تعلن عن نفسها بأنها حريصة على الحفاظ على قيم الأسرة وعلى محاربة العنف وعلى حماية النساء والأطفال من الاعتداءات من الأقرباء والغرباء على حد سواء، وهي قادرة على تحقيق دور فاعل إن رسمت لنفسها طريقاً واضح المعالم واستعانت بخبرات ذات تأهيل أخلاقي وتحصيل علمي وتجربة عملية واحترام اجتماعي يساعدها على أن تقوم بعملها بما يحفظ للمجتمع سلامة أفراده وقيمه حتى يشعر الناس بالطمأنينة، ثم من قبل ومن بعد دور هيئات التأديب الرسمية التي يجب والحال كما هي عليه الآن أن تقوم محاكم متخصصة في العنف الأسري شأنها شأن محاكم الإرهاب حتى تضم متخصصين في هذا الجانب قادرين على استيعاب ما يجري والحكم فيه بما يمنع هذه الظاهر من الانتشار .
يعتبــر الصمت على ممارسة العنف المستور والمكشوف جريمة يدفع المجتمع ثمنها عاجلاً لا آجلاً لأنه يخلق جيلاً لا يأبه بالقيم ولا بالأخلاق ولا ينظر إلى سعة الصدر وسلامة القلب واستقامة السلوك ورهافة الإحساس وأدب الحوار على أنها قيم بناء وتطور ورقي، كما أن الدعوة إلى غرس روح الانتقام في عقل المرأة وهي مستودع الحب ومخزن الإنسانية وفضاء الأمومة الرحب الفسيح، هذه الدعوة هي جريمة يجب أن يحاسب من يدعو إليها حساباً عسيراً وأن يطلب منه ومن أمثاله الرجوع عن هذا الفكر غير السوي حفاظاً على روح جميلة في الحياة : هي المرأة الإنسان .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011