عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
آلآن بعد الدمار
الوطن في 24/12/1429هـ - الموافق 22/12/2008 م

الشـهادة التي تأتي متأخرة كثيراً عن وقتها لا تفقد مصداقيتها لكنها تخسر الكثير من قيمتها، لأن كثيراً من الأفعال والتصرفات تتم في الوقت الذي أخفيت فيه هذه الشهادة، وإخراجها في جميع الأحوال خير من كتمانها "ومن يكتمها فإنه آثم قلبه"، وإظهارها ولو في وقت متأخر يجعل الناس على علم بمجريات أمور حياتهم، وقد يمنع من تكرار الجرائم التي ارتكبها أو يرتكبها القتلة والسارقون والباحثون عن بلاد يحتلونها تحت مزاعم كاذبة وقصص مختلفة وروايات يغلب عليها الزيف والكذب.
قبــل أيام أعلن الرئيس الأمريكي في لقاء له مع إحدى القنوات الأمريكية عن عدم صحة المعلومات الاستخبارية التي كانت وراء قرار شن الحرب على العراق، وهو بذلك ينسف الأساس الذي غزا العراق مستنداً إليه، فالمعلن حينذاك لم يكن إزالة الدكتاتور ولا زراعة الديموقراطية أو نشر الحرية بل هي أسلحة الدمار الشامل التي كان النظام العراقي قد طورها وجاهز لمهاجمة الولايات المتحدة وبريطانيا وكما قال بلير حينذاك عن الــ "45" دقيقة، وسعي كليهما إلى نشر الرعب في شعبيهما وفي العالم بأسره وأن ليس من سبيل إلا هذه الحرب للقضاء على أسلحة الدمار الشامل حتى ولو كانت مطمورة تحت المساجد !!!
واليـــوم يأتي "هانزبليكس" المبعوث الأممي إلى العراق لقيادة فريق التفتيش منذ بداية التسعينات ليعلن في شهادة جديدة تدل على أن الدمار الشامل كان في البيت الأبيض ولم يكن تحت مساجد العراق أو في منازلها أو في مدارس أطفالها، حيث أكد "بليكس" أن نائب الرئيس الأمريكي هدده بأن يشوه سمعته إن لم يلتزم الصمت أو إن حاول أن يكذب رواية الزعامة الأمريكية فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل في العراق، وحسب كلامه فإن تهديداً مماثلاً قد تعرض له الدكتور البرادعي رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية .
وقبــل يومين كان نائب الرئيس الأمريكي يعترف في مقابلة له بإحدى القنوات الأمريكية أنه كان على علم بالتعذيب الذي يتعرض له معتقلو "جوانتانمو" في كوبا، لأنه يرى أن في هذا التعذيب وسيلة فعالة للحصول على معلومات يمكن أن تقي من هجمات إرهابية أو تكشف عن نشاط إرهابي، هذا في الوقت الذي رفعت فيه جندية أمريكية دعوى قضائية على كل من نائب الرئيس هذا ووزير الدفاع السابق رامسفيلد ورئيس هيئة الأركان آنذاك "ريتشارد مايرز" بأنهم متواطئون مع قادة هجمات سبتمبر لأنهم كانوا على علم وفق معلومات قدمتها عن أن طائرة ستضرب مقر البنتاجون وكان أمامهم عشرون دقيقة لم يستفيدوا منها في إخلاء المبنى وتجنب الكارثة على الموجودين فيه.
هــذه الشهادات وغيرها كثير ربما يظهر عن قريب تكشف للعالم المستوى الأخلاقي ودرجة المسؤولية ونوعية الضمير الذي يتمتع به مروجو ما أسموه: الحرب على الإرهاب والتي كانت مجموعة من الكوارث كلفت الخزانة الأمريكية وحدها تريليون دولار هذا غير مصاريف علاج الجرحى والمعوقين والمرضى النفسيين مدى الحياة وقتلت أكثر من مليون عراقي وشردت ملايين منهم خارج العراق وداخله، وفتحت الباب واسعاً أمام حروب طائفية ومذهبية ومكنت إيران من ممارسة نشاطها في العراق كما تشاء، إلى جانب ما يجري في افغانستان وباكستان والصومال.
إن أول من يجب أن يرفع الدعاوى ويطالب بإنزال أشد العقوبات على هؤلاء المجرمين الذين كذبوا وروجوا لكذبهم بل وهددوا من لم يهادنهم فيه بتشويه سمعته أول ثلاثة هم: الشعب الأمريكي الذي يتوق إلى الحرية والديموقراطية والسمعة الحسنة بل وانتهاك دستورها والاعتداء على قوانينها، والأمم المتحدة التي يتعرض رجالها لهذا الابتزاز والتخويف بل والتخوين والعراقيون والأفغان الذين احتلت ديارهم وانتهكت حرماتهم وأصبحوا لا يأمنون على أنفسهم في ظل انقسامات تتغير بتغير المؤثرات الخارجية وفي ظل احتلال أتى بمرتزقة من أقطار الأرض يوفرون حماية أمنية لمرافق الاحتلال ويعيثون فساداً في البلاد.
الشهود اليوم بالآلاف قادمون من معتقل جوانتانمو ومن معتقلات أبى غريب والعامرية وكابول والمعتقلات العابرة للقارات والمحيطات وغيرهم من الأحرار في مؤسسات المجتمع المدني أو في المؤسسات الدولية والخاصة ممن يرون أن الفرصة مواتية الآن وقد خرج الشهود عن صمتهم بما فيهم المجرمون أنفسهم أو المتواطئون معهم أو الخائفون، إن للإنسانية حرمتها وكرامتها وعزتها، وإن لم يستفد أصحاب القيم من هذه الفرص فإنهم ينضمون بذلك إلى المهادنين والمتواطئين والخائفين في انتهاكات جديدة للقيم الإنسانية المشتركة.
وإذا كان البعض قد عابوا على الذي رجم بحذائه رمز هذه الانتهاكات غير المسبوقة في التاريخ الإنساني أو عابوا من لم ينتقده ويعنفه على سوء صنيعه حسب رأيهم فإنهم في أحسن أحوالهم لا يرون في هذه الانتهاكات ما يضر الإنسانية أو ينال منها هذا إن أحسن أحد بهم الظن، والغريب أن العائبين لم يكونوا إلا عندنا هنا، أما في الغرب فيكاد الإجماع ينعقد على حسن الصنيع لأنهم إما يقدرون الإنسان أكثر أو يعرفون أكثر مما يعرف هؤلاء .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011