عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
من حروب الأفيون إلى حروب الحبة الزرقاء
الوطن في 2/1/1430هـ - الموافق 29/12/2008 م

لــم يكن أمام بريطانيا إلا الحيلة وهي ترى الصين تغلق دونها أبوابها وتمنع عنها خيراتها وترد في كبرياء وفي أنفة: بأن الصين المتعلقة بالسماء ليست في حاجة إلى بضائع وتجارة البرابرة، لكن الدولة العظمى حينذاك كانت لها أكثر من ذراع طويلة سواء أكانت شركة الهند الشرقية أو الأساطيل التي تجوب البحار تبحث عن المصالح أو تحمي المصالح إلى جانب من أخضعتهم لسلطانها وجعلتهم يتبعونها ليلتقطوا ما ينالونه من فتات غزواتها وحروبها وبخاصة الفرنسيين والأمريكيين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فكانوا مثل كلاب الرحالة يحرصون على القرب من الخيام حتى لا يفوتهم بعض ما يتبقى من الولائم.
وقــد نجحت الحيلة في زراعة الأفيون في أقاليم كثيرة من الصين ولم تنجح كل المحاولات التي قامت الحكومات الصينية المتعاقبة في الحد منها بل إن كل محاولة كانت تؤول في الغالب إلى فشل والى توقيع اتفاقية جديدة تكاد تكون استسلاماً وتسليماً بالأمر الواقع، وتحطمت كل الأسوار التي حاول الصينيون إقامتها أمام الغزاة الذين جاؤوا بذريعة "حرية التجارة" و "حصانة السفن الحربية"، وارتفع عدد المدمنين على الأفيون من الصنيين من أعداد متواضعة إلى عشرات الملايين ودخلوا خانة المئات وجاء المبشرون بل وصل الأمر إلى نهب المقر الصيفي للامبراطور الصيني ثم إحراقه على يد البريطانيين والفرنسيين وهو من التحف العالمية مما جعل "فيكتور هوجو" يشنع على هذا الفعل.
ثــم كان الاستيلاء على هونج كونج وضمها إلى المستعمرات البريطانية لتكون قاعدة تشن منها القوات البريطانية حملاتها المتتالية على الصين إلى أن وصلت حد الإنهاك وخلت خزائنها من الفضة واضطرت إلى الاقتراض لتسديد الديون، ولم تعد قادرة على حماية أراضيها من عبث الشركات البريطانية والأمريكية والفرنسية التي توسعت في زراعة وتجارة الأفيون، ولم تفلح بعض مواقف الحسم التي مارستها الصين في إجبار هذه الشركات على إحراق محصولها من الأفيون والذي بلغ آلاف الأطنان، لأن الحرب ذات نوايا قذرة وأساليب قذرة وغايات قذرة.
واليــوم يلجأ صناديد حروب المحافظين الجدد إلى أسلوب قذر قياساً على ما قام به أسلافهم في الصين قبل قرنين من الزمان، حيث نشرت الصحف عن قيام ضباط من الجيش الأمريكي في أفغانستان بزيارة شيوخ القبائل في منازلهم وإهدائهم "حبوباً زرقاء" لكن بكميات محدودة حتى تظل الحاجة قائمة وحتى تسهم كل كمية محدودة في الحصول على معلومات غير محدودة عن عناصر المقاومة الطالبانية وربما غيرها طالما أن المقاومة على أشدها في ردع قوى الاحتلال.
والحديــث ليس جديداً عن تكوين مثل هذه الولاءات مع شيوخ قبال وعشائر على غرار مجالس الصحوات التي تشكلت في العراق من بعض الذين استجابوا لإغراءات الجيش الأمريكي في الانضمام إليه في مواجهة قوات المقاومة، وكانت هذه الإغراءات ذات تأثير في بداياتها حتى تبين لمن انساقوا وراءها في نهاية المطاف أنها ليست إلا استدراجاً يفقد معه الصحوي هويته فلا هو إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، لا هو الوطني الذي يشكل رأيه الحر المستقل مكاناً لائقاً في الطيف العام، ولا المستفيد من هذا الولاء الجديد إما للجيش المحتل أو للحكومة، بل يصبح ذا هوية لا يمكن أن تنال استحقاقاً واضحاً.
قــد تفلح الحبة الزرقاء في أيدي قوات المحافظين الجدد مع بعض الشيوخ الذي أفسدت عليهم الحرب شهواتهم وأفقدتهم بعض لذاتهم، كما أن برد الشتاء وتقلبات الأجواء المناخية والسياسية تفعل فعلها فيهم، لكنها قد لا تعطي ثماراً على المدى الطويل خاصة أن الطرف الآخر يملك جلب هذه الحبوب لأنها تباع في الصيدليات وربما يوجد لها بدائل في مناطق قريبة، إضافة إلى أنها ليست في صعوبة زراعة أقاليم كاملة بالأفيون وتسويقها بين المواطنين كي يصبحوا عاملاً أساسياً في التأثير على السياسة العامة من أجل نهب خيرات البلاد وتحويلها إلى بلاد مدينة تعاني الديون وتعالج الأزمات.
ربمــا أفلحت قوات الاحتلال في غض الطرف عن زراعة المخدرات في المناطق التي تسيطر عليها قواتها، وربما أفلحت أيضاً في التغاضي عن انتقال هذه المنتجات إلى أقاليم أو حتى دول أخرى طالما أنها لا تهدد وجودها ولا تثير الشعب عليها، لكنها لم تفلح في حماية قوافل الدعم والمساندة إما على الطرق الأفغانية أو في المناطق الباكستانية حيث تعرضت الكثير من آلياتها إلى الحرق والتدمير والسطو عليها ونهب محتوياتها، مما جعلها تتجه إلى دول الشمال وصولاً إلى روسيا للبحث عن سبل لتأمين نقل هذه الآليات عبر أراضيها وفي ذلك نفقات إضافية مالية وسياسية قد لا تبرر هذا البديل إلا لأنه الوحيد !!
الحــروب التي لا يكون للحق مكان فيها وإنما تستمد حيويتها من القوة فقط يصبح النصر فيها ــ وإن تحقق ــ غير ثابت وغير مستقر، وإن شعر قادة هذه الحروب أن آفاق النصر بعيدة لجأوا إلى أساليب فيها من القذارة ما في النفوس التي أشعلتها عند بدايتها، حتى وإن تهيأ لقائدها العام ذات يوم فأعلن من سطح إحدى البوارج في المحيط البعيد "أن المهمة تحققت" ونام على أحلام النصر الكاذب، وبعد قرون عادت الصين إلى قوتها وتساقطت أعلام القوة العظمى والامبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس، وسوف لن يفيد ضباط جيوش المحافظين الجدد حبوبهم الزرقاء في أفغانستان، وكما سقطت الصحوات سيسقط ناشدوا الشهوات، مهما توافرت لها الأهواء لأنها لا تستند إلى حق في الأساس .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011