عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
غزة بين الصامتين والشامتين
الوطن في 9/1/1430هـ - الموافق 5/1/2009 م

بكـــل تأكيد أن الذين لم يكن يعنيهم أمر الحصار الذي عانت منه غزة وأهلها: نساؤها ورجالها، شيوخها وأطفالها، مرضاها وجرحاها على مدى الثمانية عشر شهر الماضية لن يعنيهم بحال من الأحوال ما تعرضت له غزة على مدى ثمانية أيام من أهوال وحشية الصهيونية النازية بقنابلها وصواريخها التي هي الأعنف منذ حرب 67 أو ربما كانت أعنف من حرب 67 لضيق المكان وتطور آلة القصف وحدة الهجوم وتخاذل أو تواطؤ الجيران والأقربين واستفادة أطراف أخرى لها مصلحة في أن تجد فجوات ومنافذ تمرر منها مواقف تستفيد منها لبناء مستقبل أو حاضر ما كان لها أن يتحقق لولا هذه الفجوات والمنافذ، ولذلك فهي حريصة على استمرارها ونموها بل واتساعها حتى تكسب بها الرهانات وتضمن بها مقعداً أو مكاناً على طاولة مفاوضات.
وبكــل تأكيد فإن الذين لم يكونوا يقيمون وزناً بالأمس لاحتلال جرت زراعته في خاصرة الأمة، زرعه استعمار أقام أجندته انطلاقاً من تبوك واليرموك وأحياها بالغزوات الصليبية التي جثمت على بيت المقدس وأكنافه قرابة قرنين من الزمان ثم أشعل أوارها باتفاقية سايكس ــ بيكو وبوعد بلفور وما تلاه من احتلال لكثير من دول العالم الإسلامي، وحين رأوا أن مقامهم في هذه البلدان غير مستقر ورحيلهم قادم زرعوا هذه النبتة الخبيثة في خاصرة الأمة لتمزق التواصل بين الشمال والجنوب والشرق والغرب .. بين الشام ومصر والعراق والمغرب الأقصى، هؤلاء الذين لا يقيمون وزناً لهذا لن يعبأوا أمام إغراق غزة في الدماء والأشلاء وهدم البيوت على ساكنيها وتقطيع أوصالها بغارات بحرية وجوية ثم باكتساح بري يجعل القطاع قطعاً صغيرة يسهل ابتلاعها.
وبكــل تأكيد أيضاً، فإن الذين لم تكن تعني لهم بيوت الله شيئاً لن يعبأوا حين يرون أحد عشر مسجداً وجامعاً حتى الآن تقصف على المصلين في داخلها ويخرجون من ركوعهم وسجودهم وقنوتهم ودعائهم جثثاً إلى المقابر أو أشلاء لا هي في الأحياء ولا في الأموات، لن يهز ذلك شيئاً فيهم ولن يحرك في عروقهم الدماء وفي نفوسهم العزة لعمل شيء .. أي شيء ، استنكاراً لهذه الجريمة التي تحرمها الشرائع وتستنكرها الفطر السليمة ولا تقرها الأعراف الدولية، ولا يقترفها إلا المجرمون الذين نخرت الجريمة عظامهم وطوقت أحلامهم وجعلتهم حقاً مفسدين في الأرض لا حدود لفسادهم ولا سابق لعدوانهم.
غـــزة اليوم تكاد تكون خط الدفاع الأخير في الصراع الذي تدور رحاه اليوم بين قوى الشر المتربصة بالإسلام وأهله، وبين القلة القليلة التي ترى أن عليها أن تقف موقفاً واضحاً لا شبهة فيه ولا لبوس أو غموض يكتنفه بأن الإسلام هو غاية هذه الحروب التي تدور لها ألف رحى في كل شبر من البلاد الإسلامية، وإن اختلفت أسبابها وغاياتها وجنودها وساحاتها، وأن الضعف الذي تعاني منه الأمة هو المحرض الأكبر للمحاولات المستمرة للإجهاز على جسدها الذي تأتي عليه العلل صباح مساء، وأن التمزق وعدم الالتفاف على كلمة سواء يجعل من السهل التفرد بكل فصيل للقضاء عليه وربما وجد المعتدي من بعض الأهل والأقربين من يؤيده ويسانده ويؤازره.
الصمــت عن مجزرة غزة مشاركة فيها، والصمت من قبل على حصار غزة مشاركة فيه .. سواء بسواء، وأمام الواقع الأليم ليس لأحد أن يستمر في صمته الذي هو رضا بالحال، بل لابد من تعبير بالفعل وبالقول، وها هي منظمات دولية تسهم بإمكاناتها، وها هم كُتّاب وكاتبات من الغرب يعلنون احتجاجهم، وها هي القوافل تزف إلى غزة تدق أبواب المعبر اليتيم أن يترفق أمام عجز العاجزين في الجانبين، لكن التحول من الصمت إلى التعبير قد يرفع من سقف المشاركة في تغيير واقع الهوان والخذلان إلى العزة بالإسهام في إنقاذ غزة.
لا يزال ضحية الحذاء يخرج بفتاواه المريضة يُجرّم فيها الضحية ويبرّيء الجزار ولا يزال أتباع فتواه يؤيدون مذهبه في ملاحقة القتلى إلى قبورهم والجرحى إلى أسرّتهم لأنه الشريك في الجريمة بالإمداد والإسناد والتأييد وقد يعذر مجرم يشارك مجرماً جريمته، لأن ذلك منتهى طبعه، أما الذين يدفعهم الخوف أو الولاء إلى المشاركة بالصمت أو التأييد فلا عذر لهم إلا ما يختزلونه من أحداث، أو ما يختزنونه من مواقف وفي كلا الحالين فليس أمامهم إذا انقشع الغبار إلا أن يختاروا أحد الفريقين ويقفوا في أحد الصفين إما الجريمة أو الضحية.
غـــزة وإن كانت خط الدفاع الأخير في الهجوم الذي يبدو أنه شامل وعنيف وغير مسبوق، إلا أنها ليست المعركة الأخيرة مهما كانت نتائجها ولكنها يوم من الأيام (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) ، ومهما كانت مبررات الصمت على العدوان أو الرضا به لأنه يصب في خانة تصفية حسابات، فإن الجولة إن تحققت للعدو ليست نهاية المطاف، بل هي ساعة من زمان وتتغير الظروف والأحوال، وكما أمضى الصليبيون قرابة مائتي عام ثم خرجوا خاسرين، (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) ويخرج الأعداء من جديد، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011