عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
لا مكان للخانعين
الوطن في 16/1/1430هـ - الموافق 12/1/2009 م

غــــزة بعد أيام تكمل ثلاثة أسابيع من مقاومتها عدواناً لا يكاد يقل في ضراوته وشراسته وبشاعته عن عدوان ربيبتها على كل من هيروشيما ونجازاكي أو ما تعرضت له ليننجراد في الحرب العالمية الثانية، مئات الغارات وعشرات الآلاف من القذائف التي تدك المنازل وتقتل الأطفال والنساء والشيوخ، وبينما تزيد إسرائيل من ضراوة معاركها يزيد استبسال مدينة الصمود وتزداد صلابتها أمام استسلام يطرب له الكثيرون ممن ألانوا لقوات الاحتلال الكلام، ورضوا منها بالوعود التي يعلمون يقيناً بأنها كاذبة ساقطة، لكنهم يستزيدون بها يوماً آخر في حياة أي حياة.
لــم تكن الاعتداءات على غزة وليدة وقف هدنة مزعومة، كان المحتل يمارس خلالها كل أنواع الخروقات والمخالفات، بل هي حرب أعدت لها العدة على مدى ستة شهور قبل وقوعها، ولم تكن حرباً بين جيشين متكافئين ولكنه اعتداء على قطاع مكتظ بالسكان جرى تجويعه وتعريضه للحرمان من أبسط مقومات الحياة على قرابة عامين إلا قليلاً، فجاءت الحرب في توقيت أبسط ما يقال عنه إنه مدروس بعناية ليحقق الغاية من شن الحرب وتحقيق الهدف بإذلال الفلسطينيين وتلقين البقية منهم العبرة، كما أنها لم تكن حرباً فقط ولكنها مخالفات من أول لحظة فيها وخلال كل لحظة منها لكل أخلاقيات الحروب ولكل الأعراف الدولية التي اتفق المجتمع الدولي عليها.
يســـتخدم الجيش الإسرائيلي القنابل الفسفورية وقد أوردت ذلك صحيفة التايمز اللندنية وهي قنابل تصيب بحروق وعاهات تستمر إلى ما بعد انتهاء الحرب، ويهاجم سيارات الصليب الأحمر مما أدى إلى قتل بعض طواقم الإسعاف ، ثم يأخذ الجيش مجموعة من المدنيين من منازلهم ويجمعهم ــ أكثر من مائة شخص من النساء والأطفال والشيوخ ــ ثم يطلق النار على العمارة التي جمعهم فيها، ويعمد إلى إحراق المنازل والجثث بعد الاعتداء عليها، إلى جانب اعتدائه على قوافل غوث وتشغيل اللاجئين وقصف ثلاث من مدارسها وقتل العشرات من اللاجئين محتمين بحصانة هيئات أممية.
هــي حرب عدوانية غير مبررة من بدايتها، وهي حرب على كثافة سكانية محرومة من مقومات الحياة لعامين، وهي حرب حافلة بصنوف من جرائم الحرب، وهي حرب تجد عند الإدارة الأمريكية ما يبررها بل ما يجعلها تقيم جسراً جوياً لإمداد إسرائيل باحتياجاتها من الذخيرة، وهي حرب الدولة التي تملك أقوى جيش في المنطقة على الإطلاق والجيش الرابع في العالم، ثم يسارع الرئيس الأمريكي إلى الاتصال بوزيرة خارجيته ليمنعها من التصويت على قرار مجلس الأمن إثر اتصال رئيس الوزراء الإسرائيلي به ليخبره بذلك فيصدر القرار بامتناع أمريكا وموافقة بقية الأعضاء.
هــي حرب تكشف الحاجة إلى ضرورة الاستعداد لحماقات إسرائيل وأطماعها، وتحتاج أيضاً إلى ضرورة معرفة المتخندقين مع إسرائيل وغطرستها إما رغباً أو رهباً، ومن يقفون إلى جانب الحق وإن بدا أن أنصاره ضعاف لا يملكون أحياناً القوت والدواء والملبس والمسكن، لأن الحق يبقى وإن طالت به الأيام، والقوة تؤول إلى زوال وإن طال بها الزمان، والذين يراقبوا حركة التاريخ يرون ذلك كأنه شريط سينمائي يمر أمام أعينهم، ولا يحتاجون إلى كثير من العناء، ولكن البصيرة قد تعمى كما تعمى الأبصار، والغشاوة قد تقع إذا ارتفعت وتيرة حمى الشهوات والرغبات والمخاوف.
ليـــس غريباً أن يبادر المحافظون الجدد إلى الوقوف وراء الصهاينة لأن الحركة أصلها واحد ومشاربها واحدة وغاياتها واحدة، وليس غريباً أيضاً أن يصمت المزايدون على نجاح هؤلاء وأولئك بيننا لأنهم لا يستطيعون أن يسيغوا فكرة الخروج على ما ألفوه من مساندة هذين التيارين لما يجدونه نحوهما من ميل وانتماء، لكن الغريب ألا يسعى القادرون على أن يفعلوا شيئاً على كل صعيد: الطبي والاقتصادي والسياسي والقانوني والقضائي، أن يشكلوا جبهات تسعى إلى تقديم العون فهذا وقته، والى توثيق جرائم الحرب فهذا وقته، والى مد جسور الدعم والمساندة فهذا هو الوقت المناسب.
لقـــد ضرب الملك فيصل رحمه الله نموذجاً رائعاً في الحديث إلى هؤلاء وهؤلاء عام 67م ثم أعاده مرة أخرى عام 73م وكان ما كان آنذاك من آثار، وكان أيضاً ما كان من آثار بعد ذاك، لكنها الوقفة التي لا يحتاج الرجال في الحياة إليها إلا مرة واحدة ربما، فنصبح عنواناً لهم ودليلاً عليهم، ثم كان الموقف الشجاع لابنه وزير الخارجية قبل أيام في مجلس الأمن، لكن الكثرة تغلب الشجاعة كما يقولون ولو تحالفت الأمة على موقف يحقق لها عزتها وكرامتها لاستطاعت أن تكسب به جولة في صراع طويل، تحتاج الأجيال فيه إلى منارات تهديها حين تشتد عليها قبضة التكالب.
"أوكامبو" ذو نظر بعيد يصل إلى أعماق دارفور، لكنه يقصر عن أن يبصر ما يدور في غزة من قصف لطائرات عمودية ونفاثة، ومن دبابات ومدافع، ومن قنابل فسفورية وربما عنقودية، ومن اعتداءات بشهادات موظفي الأمم المتحدة على كل مرافقها وهي تعطي للجيش مسبقاً إحداثاتها على الخرائط وتأخذ تأكيداً مسبقاً من القوى المساندة في الجيش الإسرائيلي، وكم من "أوكامبو" لا يرون إلا ما يُرى لهم، فهل يقوم حقوقيون بيننا بواجبهم في رفع الشكاوى على مجرمي الحرب هؤلاء من ساسة وعسكريين .
وأخيــراً .. لا نريد أن نرى هذه الإدارة الهالكة التي جلبت العار على ما بقي لأمريكا من قيم، والدمار إلى منطقة كانت في غنى عن المزيد، لا نريد أن نرى أحداً منهم يُستقبل غداً على أنه صديق قديم أو يحتفى به أو تقدم له الهدايا، بل يجب أن تقوم الجمعيات المدنية بالإعداد لإقامة الدعاوى، وأن يكون هناك جهود لجمع تبرعات تحت إشراف محاسبي دقيق كي يصرف منها على دعاوى عليهم لقاء الدمار والظلم والقتل والسجن لأبرياء ما كان لهم أن يؤذوا لولا هؤلاء الظالمون، ربما نجحت بعض الدعاوى وربما كانت رادعاً أمام آخرين عن ممارسة ما قاموا به.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011