عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
ثقافة المقاومة
الوطن في 23/1/1430هـ - الموافق 19/1/2009 م

أتمنــى أن يقرأ القادة سياسة وفكراً واقتصاداً واجتماعاً أو يقرأ لهم كل صباح أهم خمس صحف بريطانية وأمريكية وغيرها في دول أخرى إن شاؤوا، ليطلعوا على ما كتبه ويكتبه أصحاب رأي في الطرف الأخر حول قضية ذات شأن وما أكثر القضايا مما لها شأن في هذا الشرق الأوسط الذي كان من قديم وسيظل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها مالئ الدنيا وشاغل الناس، بتراثه العريق ورسالاته الخالدة وثرواته المتجددة وبما فيه ومن فيه من بشر وغير بشر، مما يشكل قلب العالم النابض وبؤرة اهتمامه ومصدر تجلياته ومنبع إلهامه، كما أنه ملتقى حضارات الشرق والغرب والرابط بينهما، ولا يمكن لهما أن يلتقيا أو يختلفا إلا عليه.
هــذه القراءة اليومية ضرورية لأنها تكشف عن رأي لا يكاد يتغير عند صاحبه، كما تتغير الآراء عند كثير من كتابنا حتى إنها تشبه في كثير من الأحيان الملابس التي تتلون بتلون المناسبات والطقوس والمناخ والتوجهات، بينما صاحب الرأي الذي يطرحه في قضية ويعرض الأسس التي يقيم عليها رأيه والأجواء التي تحيط به إنما يعبر عن ضمير ووجدان لا عن مناسبة أو موقف يتغير وفقاً لظروفه وملابساته، وفي آراء أولئك من الحق والوضوح والمنطق ما لا تحتمله كثير من أجواء شرقنا الأوسط التي تعشق التلون، بل في تلك الآراء من المعارضة للباطل هناك والتأييد للحق هنا، ما لا يجرؤ كثير من عندنا على التعبير عنه.
كثيــر من الكتاب يطالبون بمحاكمة وتجريم بوش وإدارته على ما ارتكبوه من فظائع وجرائم وما انتهكوه من حقوق الإنسان وخرق القوانين الأمريكية في هذا الشأن، وما أهدروه من أموال أدت إلى تكبد الاقتصاد مبالغ كبيرة فتحت الأبواب واسعة أمام فساد مالي وإداري وقانوني عريض في الولايات المتحدة والعراق وأفغانستان، وكثيرون يطالبون بتقديم القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين للمحاكمة وتجريمهم لارتكاب جرائم حرب وجرائم بحق الإنسانية وحروب إبادة واستخدام أسلحة محرمة دولياً، وهي مشاهدات في الحالين واضحة عندنا في شرقنا أضعاف ما يرونها، فالإعلام هناك انتقائي وترفيهي، ولا يغني كثيراً خصومة بوش مع صدام فالدمار كان للعراق كله، أو خصومة إسرائيل مع حماس فالدمار كان لغزة كلها.
لــن يتحقق التعايش بين الناس إلا على أرض صلبة يغلب فيها التسامح على العنف والتراضي على التنازع والحق على الباطل ويعرف الجميع أن المصير الإنساني المشترك يحتم عليهم أن يحافظوا على القيم، وأن القوة المفرطة ليست السبيل إلى تحقيق التوازن لأنها اليوم هنا وغداً هناك، ولن يتحقق التوازن إلا بالمقاومة التي تجعل من الإنسان كائناً حياً يتوق إلى أن تكون الحرية والمساواة والعدل الموروث المشترك لبني آدم، وأن يبذل القادرون كل جهد في سبيل تحقيق هذه المقومات في الحياة لأنها السبيل إلى أفق كريم وأن كل شيء دون هذا الأفق إنما هو انتقاص للكرامة الإنسانية وتشويه لقيمها النبيلة مهما كانت مبررات ذلك.
المطالبـــون بمحاكمات للإدارة الأمريكية أصحاب أقلام راسخة في ميادينهم ومنهم من نال مؤخراً جائزة نوبل في الاقتصاد "بول كروجمان" ومقاله الأخير قبل أمس في نيويورك تايمز "نعفو أم ننسى ؟ " مفعم بروح تبحث عن محاسبة حتى لا تتكرر أخطاء من هذا النوع، ومتوقد بمنطق يحمي المؤسسات من أن تكون ضحايا أصحاب النفوذ والأجندات الخفية، وكذلك مقال "إينجو جيلمور" في التايمز اللندنية أمس الذي عاش مع الفلسطينيين في منازلهم أثناء القصف في خان يونس جنوب غزة شاهداً على جنونية العدوان الصهيوني ووحشيته، ولم نشاهد مراسل صحيفة عربية هناك، وغير هذين كثيرون نحن في أمس الحاجة إلى ما يكتبون لأنهم شهود على أوضاع ليست من صنعنا بل من صنع إداراتهم هناك ونحن نجني ثمارها ونترك آثارها لأجيالنا من بعدنا.
ثقافــة العنف مردها العجز المفرط أو الغطرسة المفرطة، والعقل في الغالب غائب في الحالتين، والعجز دواؤه الاستقواء بالعقل والحكمة ثم بالقوة، والغطرسة دواؤها إيقاظها بأن لها حداً تنهي إليه لتعود إلى عجز من جديد، أما الدماء والأشلاء والتدمير فليست إلا بذور دماء جديدة وأشلاء جديدة وتدمير جديد، والحربان الأولى والثانية خير شاهد، وكان فيما قبلها وما بعدها شواهد، لكن الغريب أن مؤسسات كثيرة عندنا تغفل عن أن تجعل المقاومة على بند تحقيق أهدافها وبلوغ غاياتها، وتكتفي عن ذلك بلقاءات ومؤتمرات هي أبعد من أن يكون لها وزن في صراع له وسائله وقنواته، فلا جامعة الدول العربية ولا رابطة العالم الإسلامي ولا منظمة المؤتمر الإسلامي ولا الكثير غيرها من المنظمات تسعى في غزو إعلامي أو فتح قنوات مع ذوي آراء ومواقف أو إنشاء مؤسسات إعلامية عصرية ذات فاعلية.
البديــل عن التنظيم هي الغوغائية التي لا تعرف إلى أين تسير وإلى أين ينتهي بها المطاف، والبديل عن التخطيط هي العشوائية التي تأتي بردود فعل لا تناسب الحدث بل تتجاوزه فتحترق أو تقصر عنه فيطغى عليها، ولعل من أفضل البدائل أن تقوم مؤسسات مدنية تمتلك من الوجدان والحريات والتفكير ما يجعلها تثبت وجوداً يحقق غاية وفاعلية تكتسب ثقة، لتنطلق هي في إنشاء صناديق إنسانية لمحاكمة أعداء الإنسانية من مجرمي الحروب ومستخدمي الأسلحة المحرمة ومدمري المدن على أهلها بغرض الترويع، وصناديق للمقاومين كي يتعلموا تعليماً جيداً وينالوا تطبيباً جيداً وحياة كريمة حتى يمكنهم المواجهة بعقولهم لا بأبدانهم، ويكفي أن نعرف أن نسبة العرب واليهود الآن متساوية في فلسطين (5.5 مليون مقابل 5.4 مليون) لكنهم في عام 2020م سيكونون (8.5 مليون مقابل 6.4 مليون) فأنى لهم بحياة كريمة يرابطون من خلالها إن لم يعمل الكرماء من أجلهم شيئاً اليوم وكل يوم .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011