عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
كلاب الطب
الوطن في 20/3/1430هـ - الموافق 16/3/2009 م

تروي عكاظ قبل أمس :"قبـض رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مركز المنهل بأبها على خمسة شبان من كلية الطب اغتصبوا فتاة جامعية داخل شقة في حي شعبي يسكنه طلاب وعمال " ، وتروى الوطن يوم أمس: "أكد مصدر في كلية الطب التابعة لجامعة الملك خالد أن الكلية خاطبت في وقت سابق فروع هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لإبلاغها بأي مخالفات ترصدها الهيئة على طلابها وذلك لتتخذ بحقهم أشد العقوبات لا سيما وأنهم ينتمون لمهنة عظيمة" وفي الخبرين ما يشير إلى أن المعتدين هم طلاب في كلية الطب، أي أنهم سوف يكونون عن قريب مؤتمنين على أدق تفاصيل حياة أناس كثيرين رجالاً ونساء، بل إن بعضهم سوف يفحص النساء في أكثر مواضع أجسادهن حساسية.
والخبــر يأتي في سياق العديد من أخبار الجرائم التي تفيض بها الصحافة والرسائل الإخبارية للمشتركين فيها كل يوم بل كل ساعة مما يدل على أن هنالك انتشاراً واسعاً للجريمة، لكن اللافت للنظر في جريمة هؤلاء صدورها ممن يفترض فيهم المروءة والشرف والعفة والمحافظة على أعراض الناس حتى يطمئن من يلجأ إليهم أنهم من أخير الناس وأنبلهم، إذ أن الطمأنينة والارتياح النفسي ركن ركين من أركان التداوي، بل إن كثيراً من المرضى تخف آلامه ويجد سكينة حين يجد معالجاً يبعث كلامه وهيئته وسلوكه على الاطمئنان، وهذا ما يجعل لبعض هؤلاء قبولاً كبيراً عند العديد من المرضى.

هــؤلاء الأطباء المحتملون والذين أقسموا قبل بداية عملهم يفترض أن اختيارهم للالتحاق بالكلية قد مر بالعديد من المقابلات والاختبارات والتحريات، حيث لا يكتفى بالتحصيل العلمي أو باختبار القدرات بل لابد من التحري والتدقيق ومعرفة السلوك العام في المدرسة وفي الحي وفي المسجد والصحبة حتى يتحقق قدر من الاطمئنان إلى أن من يدرس الطب سوف يمارسه بأخلاقياته العالية التي لا تحتمل الغش والكذب والخداع، وهو الحقل الذي ينتمي لمهنة ربما تجد حرجاً كبيراً في الإعلان عن كفاءة وقدرات المنتسبين إليها، بل يكتفى بما يتداوله الناس عن حذقهم أو ما تبثه الإنجازات لأصحابها في مجال أعمالهم من مراكز طبية ومستشفيات .
ليســت الكلاب بخسة ودناءة هؤلاء الخمسة، بل إن أبعدها عن الوفاء أبعد ما تكون عن عمل هؤلاء، لكن العرف العام جرى على تحقير الكلاب في محاولة للتنفير من بعض السلوكيات التي لا تليق بالبشر الذين يفترض فيهم الكرامة والآدمية والإحساس بأهمية القيم، هؤلاء انسلخوا من كل القيم الإنسانية ونزلوا إلى المرتبة التي تأنف من أن تنزل إليها الدواب والبهائم، لأنها لا تجتمع من أجل اغتصاب أنثى من إناثها على هذا النحو المريع، قد يهاجم كلب مسعور أحد المارة لكن هذا مرض يدفع إلى التخلص من حامله بالقتل وإراحة الناس منه، وفي المقابل قد يدافع بعض الكلاب عن الأبرياء إذا ما تعرضوا لهجوم من أحد المعتدين.
حيــن نتحدث عن الجريمة وانتشارها فإنما هو الحديث عن الوقاية أولاً ومعرفة الأسباب والدوافع ثانياً، ومعالجة الآثار والنتائج ثالثاً وطبيعة الأحكام الصادرة وقدرتها على الردع رابعاً، خاصة حين نرى أن تقرير وزارة العدل عن عام 1428هـ يوضح أن قرابة (64) ألف قضية جنائية في ذلك العام بلغ نصيب المخدرات منها (40.2%) والخمر (10.6%) والضرب (9.3%) والمرور (8.7%) والبقية قضايا أخرى، أي أن أكثر من (50%) هي مخدرات وخمر ولا شك أن لذلك تأثيره على ارتكاب الجنايات الأخرى من ضرب أو مرور في أغلب الأحيان.
مــع كل الانتقادات والهجوم على الهيئة إلا أنها تقوم بدور فاعل في كشف جرائم قبل وقوعها أو أثناء وقوعها مما يعني أن على الهيئة وعلى المجتمع أن يتكاتفا في سبيل تحقيق تفاهم أكبر، ويستدعي الأمر أن تطور الهيئة من كوادرها وتحسن اختيارهم وتدريبهم وتوقظ فيهم الحس الإنساني الرفيع وتهيئ لهم أسباب التدريب على تقنيات العصر على نحو يساعدهم على القيام بمهامهم على أفضل وجه في ظل احتفاء العالم اليوم بمرور (20) عاماً على قيام الانترنت التي فتحت أبواباً للمعرفة والعلم وميادين للثقافة والإبداع، لكنها في الوقت نفسه أتاحت لأصحاب الطباع السوداء أن يفسدوا وأن ينشروا الفساد بين الناس، بل جعلت الكثير من الشباب والفتيات يقبعون أمام الشاشات حتى استلبت إرادتهم وهزمت أرواحهم وهبطوا إلى القاع دون أن يشعروا أين هم .. وأين العالم من حولهم صغيره وكبيره.
الوقــاية من الجريمة هي السبيل إلى مجتمع تقل فيه الجريمة ويكون ذلك عبر بث الوعي العام في المجتمع من البيت أولاً والمدرسة والمسجد ومن اللقاءات العامة والخاصة، كما أن على الجامعات والكليات ومراكز التعليم أن تنشئ وحدات للبحث والمناقشة حتى ينخرط في هذه الحلقات الشباب والفتيات للتعبير عن أنفسهم والحديث عن معاناتهم وإبداعاتهم والاستماع إلى الآخرين، فالحرية هي الطريق إلى صناعة جيل يحارب الظلام وجنده، ويعشق الشمس وما يبعثه من نور وضياء ودفء، ويكافأ في هذه الحلقات المتميزون والمتميزات ويشاد بهم حتى يعرف المجتمع أن عناصره الإيجابية تجد ما تستحقه من التكريم، وفي الوقت ذاته تجد العناصر التي تعاني من الإحباط أن هناك من يقف إلى جانبها ويأخذ بيدها إلى الطريق الصحيح، فالمجتمع القوي لن يكون كذلك إلا بأفراد أقوياء، ولن يضعف إلا إذا ضعف أفراده وعجزوا عن معرفة ما ينتظرهم في الطريق الذي يسلكونه أو الشارع الذي يعبرونه .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011