عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
حقاً إنها لجائزة
الوطن في 4/4/1430هـ - الموافق 30/3/2009 م

قضيــت البارحة ليلة ممتعة في سهرة آفاقية في الزمان والمكان في صفاء الفكر وذائغة الوجدان، كان العالم كله أمامي وكان التاريخ كله أمامي، فأين التجليات إلا هنا وأين الأحلام إلا هنا وأين توارد الخواطر على نحو متدفق إلا هنا، من أواسط آسيا إلى غرب كاليفورنيا، ومن عبق الرسالة المحمدية وسمو المنهج النبوي في إرساء معالم واقع رفيع مروراً بابن خلدون مؤسس التفكير الإنساني البديع في علوم شتى، وانتهاء بفيزياء الفلك التي تأخذ الإنسان إلى جوانب الكون غير المتناهية وهو في مكانه تطوف به الرؤى في سماوات لا يبلغها إلا أولو العلم الذين يذهبون إلى أبعد من تراب الأرض وحفنات التراب.
هكــذا كانت سهرتي أمام الشاشة الصغيرة التي أحب أن أشاهد الأشياء الجملية ــ وما أقلها في عالم شاشة اليوم الصغيرة ــ من خلالها، لأنها تتيح لي أن أعيش أحداث ما أراه وما أسمعه فأحلق كما أشاء وأفكر كما أشاء وأصغي كما أشاء، لا تجذبني الكلمات من هنا أو هناك ولا الوجوه المتباينة هنا أو هناك ولا الأشياء الصغيرة أو الكبيرة عن يمين وشمال، وإنما أرافق الأحداث في عوالم أضعها كما أشاء وأسترجع فيها الكثير مما يناسب مقامها، وأنشيء في ذهني الكثير من المستقبل الذي أتوق إلى أن أعيش كي أراه في عالم أحسب أنه يحتاج من كل إنسان إلى إضافة تعطيه معنى جديداً يكبر به ويطمح إليه.



هكــذا كانت سهرتي مع "جائزة الملك فيصل العالمية" التي أحب متابعتها، ولكنها البارحة كانت بالنسبة لي كأنها المرة الأولى التي أشاهدها فيها فكانت المتابعة مسكونة بالدهشة التي ترافق الوهلة الأولى، والإعجاب الذي يصاحب المفاجآت التي تنال من الوجدان أمام حدث أو مشهد أو موقف المرة الأولى، وراق لي أن يكون فيها عالم دين مسلم من "أنصار السنة المحمدية" في القاهرة وعالم طب يهودي من ستانفورد في كاليفورنيا، وعالم عمارة مغربي إلى جانب باحث تراث سعودي، وفيريائي وسط آسيوي إلى جانب فيزيائي بريطاني، فرحت كثيراً أن في بلادي مكاناً عالياً يضم هؤلاء جميعاً في طريقهم إلى خدمة الإنسانية التي هي إحدى غايات الإسلام العظيم.
أخذتنـي دهشة الاحتفال إلى العصر الذي كان للمسلمين فيه شأن كبير حين تحدث عنه أحد الفائزين بالجائزة وذكر كيف كان الأوربيون يسافرون للتعلم في بلاد المسلمين ونقل علومهم ومعارفهم، ثم تذكرت حين كانت وسيلتي لاكتشاف العالم ما يقع تحت يدي من مجلات ومطويات أو من الاستماع إلى الراديو وكان في مصر آنذاك مهرجان سنوي يدعى "عيد العلم" يتم فيه تكريم النابغين والمتفوقين في ميادين العلم أساتذة وطلاباً، ورأيت كيف يتطور العالم من خلال جهود المخلصين والمناضلين من أبنائه حتى أن تكون الحياة على هذه الكوكب أكثر رقياً وأحسن نظاماً وأجمل رونقاً، وهذه هي قيمة الحياة بأبنائها .
تمنيــت أن يكون في هذه البلد عشرات ممن يسعون إلى توظيف أموالهم في سبيل الارتقاء بالحياة الإنسانية لأن ذلك هو الذي يضيف إلى حياتهم هم وإلى الحياة البشرية عامة، أليس الرسول عليه الصلاة والسلام يقول " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، وعلم ينتفع به ، وولد صالح يدعو له " وتلك هي الحياة الباقية حين تزول الأبدان وتعود إلى أصلها في التراب، أما الروح المتعلقة بالباقيات فإنها في دنياها تسعى إلى البقاء حية في الأحياء حتى وإن ارتفعت إلى حين تنتظر يوم المعاد، وما أجمل أن يلتفت ذوو الهمم الرفيعة والأرواح السامية إلى أن يقيموا جوائز تكريم لمن كرسوا حياتهم لخدمة الإنسانية في مجالات يحتاج الناس فيها إلى من يذلل لهم المصاعب ويخفف عنهم الآلام والمصائب .
ليــس ذلك فحسب، بل إن في إقامة هذه الجوائز توثيقاً لما قام به أفذاذ من بني البشر ما يصلح أن يكون منهجاً يستفيد منه الراغبون في السير على منهجهم أو النيل من معينهم في سبيل مواصلة السير إلى إنجازات أخرى في مسيرة الحياة البشرية، ألم يدع الرسول عليه الصلاة والسلام إلى أن يمارس الإنسان من الخير بما في جسمه من سلامى وهي مفاصل الأعضاء التي تصل في العدد إلى (360)، ألم يدع إلى الاستكثار من الصدقات ومن ذلك إماطة الأذى عن الطريق وتبسمك في وجه أخيك والكلمة الطيبة ، فكيف بمن لديه من الأموال والقدرات والإمكانات ما تعينه على أن يقدم للناس أكثر من ذلك، إنها الرسالة التي تكاد تكون في المنهج الأخلاقي من الإسلام فريضة من الفرائض.
هــذه الجائزة وغيرها تستحق أن تكون مبرراً للقادرين كي ينشئوا جوائز لزملائهم في الإنسانية ممن يخدمون الإنسان في تعليمه وتعلمه، في صحته وعافيته، في أمنه وإيمانه، جوائز لمن أسهموا في خدمة الآخرين سواء أكانوا في قطاعات حكومية أم غير حكومية، ولمن كانت لهم جهود في إبعاد الشباب والفتيات عن مواطن السوء من جرائم ومخدرات وإهدار للأوقات والتسكع في الأسواق من أجل تضييع أعمارهم في أجمل سنواته وراء بطولات لا تليق بما هم فيه من حياة لا يليق بها إلا أن تكون في تحقيق نفع يعود على المرء وأهله ومجتمعه بالخير والذكر الحسن والعاقبة الحسنة، إنها الجائزة حقاً .. فأين المتنافسون ؟!

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011