عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
عن الجريمة : فتشوا أنفسكم
الوطن في 11/4/1430هـ - الموافق 6/4/2009 م

لا تكــاد تسترجع شيئاً من التوازن عقب سماع نبأ جريمة مروّعة ذات معالم غير مسبوقة حتى تفاجأ بأخرى أشد هولاً وأعمق إيلاماً، والجريمة مقترنة بابن آدم من لحظاته الأولى ولكن مدى انتشارها ومدى تداول أخبارها يتزايد بحسب عوامل مساعدة على ارتكابها، أو عوامل مساعدة على وصول أخبارها إلى أكبر عدد ممكن من الناس، وما يتخذه كل واحد أو كل مجموعة من هؤلاء من ردود فعل بحسب موقع كل منهم في سلم المسؤولية أياً كانت وأياً كان، ذلك أن السفينة التي تحمل الجميع هي أمانة في عنق كل واحد منهم بحسب ما يمكنه أن يقوم به من أجل الحفاظ عليها وعلى سلامة الرحلة حتى تصل إلى بر الأمان.
تقـع الجريمة في كل مكان يتجمع فيه عدد من الناس لأنها تعبير مباشر عن الدوافع التي تمور داخل كل واحد منهم، وهي أيضاً انعكاس لما نشأ عليه كل واحد منهم، ولذلك يصف الله سبحانه أهل الجنة بصفاء الصدور والأنفس: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ) (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) (لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) ، وهي جميعها من المشاعر الكامنة في الصدور مما قد تحرض صاحبها على التصرف على نحو يشعر أنه يحقق العدالة أو أنه ينال إنصافاً أو أنه يسترد حقاً إلى أخر ما يمكن أن يضمره المجرم مما قد يدفع به إلى التصرف على نحو معين، وفي كثير من جرائم اليوم تكاد تقف عاجزاً أمام تفسير منطقي لكثير منها .

هــذا ما نراه وما نسمعه مما أتيح لنا عبر الصحافة الحقيقية والصحافة الافتراضية التي تمثلها كثير من مواقع الإنترنت ومن رسائل الجوال ومن ناقلين للأخبار عبر قنوات عديدة من المجالس والمنابر والأسواق، وإلا فكيف تجد تفسيراً لعشرات الجثث التي ضاقت بها قبور كثيرة وكشفت عنها الغطاء "الوطن" قبل شهور في محافظة جدة، وكيف تجد تفسيراً لقرابة سبعين ألف من المتسللين الذي قبض عليهم على مدى عام في أودية منطقة عسير في خبر لصحيفة "عكاظ" قبل أسابيع، وكيف تجد تفسيراً لما يضبط وما لا يضبط من المخدرات التي تكون هذه البلاد الوجهة الأولى لها لاعتبارات كثيرة تحتاج إلى دراسات تحدد من العلاج ما يلائم الأسباب المختلفة.
الإدمــان واحد من العوامل الدافعة إلى الجرائم التي تنتشر بشكل نوعي مفرط في البشاعة، وكما ذكر أحد استشاريي مستشفى الأمل في الرياض على قناة الإخبارية فإن الكثير من مسببات الإدمان أي (90%) كما أوضح هي في متناول الجميع في معظم البقالات المنتشرة في الشوارع، كما أضاف إلى أن من بين المدمنين من قد يكون متفوقاً دراسياً بل قد يكون الأب والابن من المدمنين ولا يكتشف أحدهما الآخر، ومن سيئات هذا الداء أن التعافي منه ليس ضماناً كافياً لعدم العودة إليه فإن أكثر من (90%) من المتعافين يعودون من جديد، لأن تخليص الدم منها يسير لكن تخليص الدماغ هو المستحيل بعينه، وهنا يكمن السر في الوقاية لأنها السبيل الوحيد لضمان عدم الوقوع في مصيدة الإدمان الدافع إلى الجريمة كنتيجة طبيعية .
ومــاذا عن عبثية الاستقدام وعشوائيته، عن مرض آخر لا نكاد نلتفت إليه إلا حين نعاني منه بشكل مباشر، هذه الملايين التي تسبح في شوارعنا وأسواقنا ومنازلنا كل يوم، دون ضوابط دقيقة تحدد من هؤلاء الذين يقذف بهم إلينا، وبخاصة عاملات منازل ما إن يستقر المقام بإحداهن في منزل استقدمت إليه حتى تغادره وتفر إلى حيث تجد ترتيبات إعادة تشغيلها على نحو غير منضبط فلا أحد يعرف أين تبيت ومع من تعيش، وإذا عملت في بعض المنازل ــ لفترات تحدد هي ضوابطها ــ فبمن تتصل ومع من تنسق ؟ أليس من الممكن أن تكون لعبة في أيدي عصابات الإجرام الذين يهيئون لها ما تشاء لتحقق لهم ما يشاؤون، ماذا عن الخلفيات الأمنية لهذا المستوى من العاملين والعاملات ؟ ولماذا هذا الهروب الكبير اللافت للنظر والذي بدأ وكأنه الأصل في بيئة عمل هؤلاء؟
مــاذا عن السائقين الذين لم يكن كثيرون منهم يعرفون عن السيارات شيئاً إلا بعد أن قدموا إلى هنا، فتعلموا هنا ومارسوا هنا ولكنه تعليم وممارسة فيها الكثير من الجهل والكثير من الأسرار التي تكتنف حياة كثيرين منهم هنا وهناك، واسأل إن شئت أصحاب التجارب المباشرة لتجد أنك أمام خطر حقيقي يرافق كل سائق وافد لكنها ضرورات الحياة التي يتخذ الناس فيها قراراتهم دون إدراك لكثير من عواقبها، وقد يكون السائق فيها الضحية لا المجرم، وقد يكون مجرماً لكن بالإيجار، وقد تدفعه الظروف المحيطة به إلى التحول إلى مجرم بالضرورة وقد يكون مجرماً قبل المجيء، إنها معضلة تحتاج إلى بحث خفاياها ومعرفة بواطنها باعتبارها مصدراً من مصادر الجريمة في مجتمع يمور بمتغيرات لا قبل لكثير من أفراده بها .
مــاذا عن الضحية ؟ إلى أي مدى كان له دور في وقوع جريمة من الجرائم، تبحث في كثير من جرائم كان وراءها إدمان فتجد أن المرأة تدفع دفعاً إلى الصبر واحتمال الحال وقد يدفعها من حولها إلى ذلك وترى شريك حياتها يغرق وهي تغوص معه مجبرة، فيعاشرها وتنجب منه ثم تصبر وتصبر إلى أن تصبح الحياة غير ذات معنى وحين تقع جريمة قتل أو اغتصاب في الأسرة يستيقظ المجتمع على هول ما حدث، وقد يسأل البعض: ما الذي أجبرها على أن تعيش إلى جانب هذا اللغم الكامن ؟ لماذا لم تتخذ قراراً منذ اللحظة الأولى بأن تنسحب إلى حياة آمنة ؟ هل تم التحري الدقيق عنه قبل الاقتران ؟ وماذا عن الضحايا الآخرين الذين أوقعتهم مواقع الانترنت وغرف الدردشة وصور الجوال ورسائله ؟ وما أكثر جرائم يكون هؤلاء أطرافاً فيها، بدأت تسلية وانتهت ابتزازاً وجريمة يدفع المجتمع كله ثمنها .
مــاذا عن القائمين على الأمن الوقائي : هل يتلقون من الدورات ما يهيء لهم أن يكتشفوا كثيراً من الجرائم قبل أن تقع ؟ هل هم مؤهلون للتعامل مع تقنيات العصر بما يحقق الغاية من الإلمام بها بل والوصول إلى أولئك القابعين في غرف الظلام وأزقة الرذيلة يتربصون بالأبرياء ؟ وماذا عن العقوبات ؟ هل من دراسة لإيجاد تنظيم يحدد أنواعاً من الجرائم التي تحتاج إلى أنواع من العقاب بما يحمي المجتمع ويبعث فيه الطمأنينة ؟ وليس بدعاً أن يتخذ البرلمان المكسيكي بالأمس قراراً بمصادرة أراضي ــ بشكل احتياطي استباقي ــ لمن لهم علاقات بالترويج، وانظر كيف ينجح متهم بالمخدرات هنا ــ وصف بأنه رجل أعمال ــ بتحديد مسار قضيته في المحكمة ثم الهروب إلى خارج البلاد والعودة ثانية.
مــاذا عن مركز أبحاث الجريمة في وزارة الداخلية ؟ ماذا عن مراكز البحث العلمي في الجامعات في كل التخصصات ؟ ماذا عن مؤسسات المجتمع المدني وبخاصة حقوق الإنسان وحقوق الأسرة والطفل، وماذا عن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ لماذا لا يقوم هؤلاء جميعاً بتوعية شاملة تسعى إلى وقاية المجتمع من الجريمة سواء أكانت نتيجة إدمان أو ابتزاز أو إهمال في استعمال وسائل الحياة ا لعصرية من جوال وانترنت وقنوات فضائية، لماذا لا يقوم هؤلاء برصد مبالغ من جهات حكومية وتبرعات رجال أعمال لبحوث اجتماعية ونفسية وشرعية من أجل دراسة حالات واقعية لمجرمين أو ضحايا كان الخوف والتردد والتجارب القاسية وراء وقوعهم في مهاوي الجريمة، ولماذا لا تسهم قنوات أدمنت نشر الرذيلة في التكفير عن جرائمها بنشر القليل من الفضيلة أو بالتحذير من الوقوع في جحيم الجريمة حتى وإن كانت تنشر ما قد يحرض عليها .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011