عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
صعاليك الشهوة
الوطن في 3/5/1430هـ - الموافق 27/4/2009 م

يفتخـر الصعاليك في الجاهلية بما هم عليه من بطولات وطول يد يبسطونها عبر الفيافي والقفار كي يستعيدوا شيئاً من قيم الحياة التي يرون أن أعيان القبيلة قد أفسدوها وجعلوها تخدم مصالحهم وتحقق رغباتهم، وكانوا إذا حقق الواحد منهم مغنماً من المغانم لا يجعله قاصراً عليه بل يشرك آخرين معه، بل ربما بحثوا عن المحتاجين ممن حرموا حظاً من الحياة فيبادرون إليهم، وكان "عروة بن الورد" في مقدمة هؤلاء وهو الذي تتبع أثره أحد المستشرقين الألمان فاتخذ من اسمه نصيباً فكان "وليم بن الورد" من أشد المعجبين بأمير الصعاليك كما كان يطلق عليه، ولعل "روبين هود" في الثقافة الغربية قد اختط خطى هذه الفئة بل إن الفيلم الذي يحكي قصته كان فيه شخص عربي يوحى إليه بكثير من الأفكار.
مــرد افتخار هؤلاء هو الظلم الاجتماعي الذي يعيشونه والذي برر لهم أن يقطعوا الطرق ويحصلوا على ما يحصلون عليه ثم يعيدون توزيعه بينهم ويشملون به آخرين حسبما يرون، وقد يكون هذا وجه الشبه بين صعاليك الجاهلية وصعاليك النخبة في القرن الواحد والعشرين ممن يجدون من التبريرات ما يلبسون به على من يرى في صنيعهم عيباً وعاراً وخروجاً على قيم الفضيلة وحفظ الأعراض، ليس في الإسلام وحده بل في كل الأديان السماوية والأعراض الأرضية السوية، مستندين في ذلك إلى أن لديهم المال وان هنالك من هم في أمس الحاجة إلى ما يسدون به رمقهم، وأنه في ذلك من المحسنين الذين ينالون بأعمالهم هذه درجة يرون أنها عالية مهما رآها غيرهم واطية.
هــؤلاء الذين يسافرون ذات اليمين وذات الشمال يجوبون الآفاق ويعقدون صفقات انتهاك أعراض تحت مسمى "النكاح بنية الطلاق" لأن لديهم المال ولأنهم تمكنوا من إفساد كثيرين حتى استمرأ الطرفان الحال ولم يعد يرى فيه أحدهم بأساً طالما أن الشهوات تسد الحاجات، وشتان بين رغبة طاغية وحاجة طاغية، بل وصل الأمر بكثيرين منهم إلى الاتفاق فيما بينهم على تناوب يتحقق من خلاله تحقيق إشباع بتعدد الأجساد حتى يقول أحدهم للأنثى: غداً أطلقك فهل أجلب لك أحداً، فتجيب : ولم لا ؟! مسقطاً بذلك موضوع العدة والأحكام الربانية التي تستبرأ بها الأرحام ويستقين بها من أن الرغبة في حياة مشتركة لم تعد واردة إطلاقاً.
كــان حرياً "بالوطن" حين أفردت لهذا الأمر صفحة كاملة أن تستضيف بعض هؤلاء الذين يمارسون هذا العمل ويستمتعون به ليشرحوا إلى أي درجة يشعرون أنهم لا يزالون في دائرة القيم الإسلامية التي قال عليه الصلاة والسلام عنها "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، ويدلنا هذا الناوي على الطلاق قبل زواجه أية مكرمة من هذه المكارم سوف يحققها، بل أية قيمة إنسانية أياً كانت بقيت له حين يبيت الغدر في عقد كان عليه الصلاة والسلام عند احتضاره يوصي به كثيراً ويستوصي خيراً بالطرف الآخر، ويشير إلى كلمة الله التي استحل بها ما لدى هذا الطرف الآخر.

ثــم أية قيمة للنساء سوف تبقى في أذهان هؤلاء المترخصين لأعراضهن والموظفين أموالهم للتلاعب بهن، ومما يؤلم أن كثيرين منهم هم من النخب العلمية والاقتصادية والشرعية وهم من تقوم على كلمة واحدة من أحدهم قضايا كبار في المجتمعات لأنهم ذوو الشأن وذوو المكانة، وهم الذين ينظر إليهم النساء على أنهم من يهيئون لهن سبل المشاركة الحقة في صناعة المجتمع وبناء كيانه وتحقيق فرص إيجابية لهن في احترام وتقدير كبيرين، فكيف وكثير منهم يهوون في نفق الصعلكة الشهوانية تحت حجج واهية، بل يفاخر بعضهم بعضاً بما حققه من زيجات طلاق جاز فيها السبق على آخرين.
إنـها الفتوى التي أصبحت في كثير من الأحيان توزع على الراغبين في الحصول عليها كما يحصل أحدهم على وصفة طبية من أي طبيب وربما ليس طبيباً كما أن ذاك ليس مفتياً، وأتذكر صديقاً ذا شأن يُخرج ذات يوم ورقة فتوى في هذا الشأن في نشوة طفولية عارمة وربما تسأله: كيف يبرر هذا الغش الذي يبيته في حق طرف آخر يبحث عن المودة والرحمة والسكينة، وقد يدرك جيداً أن المتعة التي ينتقدها أكثر هؤلاء هي أرحم بكثير من هذا الزيف الماجن، فالمستمتع بها أدرى بعاقبة هذا كله والمتعة في جميع الأحوال ليست بريئة من انتهاك أعراض وقد أوردت الباحثة الإيرانية "شهلا حائري" تفصيلاً في دراستها لنيل الدكتوراة تبين فيه أن الصفة المشتركة لأكثر الممارسين لهذا النوع من الزواج في إيران، وأن المستمتع بهن يذهبن ليمارسنه في مناطق لا يعرفهن فيها أحد، لأنهن يعلمن وضاعة هذا الزواج وعدم صلاحيته.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011