عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
حريق في ليلة قدر
الوطن في 10/5/1430هـ - الموافق 4/5/2009 م

حريقان يفصل بينهما ستة أشهر في أكبر مبنى يتم تشييده في العالم من حيث المساحة التي تبلغ (1.4) مليون متر مربع وفي أهم منطقة كثافة بشرية في العالم وفي أكثر مكان يحتضن أوسع تعدد جنسيات وثقافات في العالم، هذا هو الحال في حريقي البرجين حيث اجتاح الأول في شوال الماضي عشرة أدوار من برج هاجر والثاني ستة أدوار في الأسبوع الماضي من برج سارة، وأسهمت (35) فرقة دفاع مدني في إخماد الحريق الأول و (23) فرقة دفاع مدني في إخماد الحريق الثاني.
مبــدأ العرض والإفصاح العام في المحاسبة والمراجعة يتضمن بين سماته نظرية "الأهمية النسبية" التي تحدد أهمية ما يجب عرضه على قراء القوائم المالية أو عدم أهميته، بحيث يكون تغييب أمر من الأمور عن أنظار المهتمين بأمور الشركة أو إبرازه خاضعاً لتقديرات من يقومون بإعداد البيانات التي تفصح عن أحوال الشركة، وعليه فإن التحقيق الذي تم في حريق برج هاجر بعد احتجاز العمالة لأخذ إفاداتهم وهو نفسه الذي أشارت إليه سلطات الدفاع المدني والشرطة في شأن حريق برج سارة لا يزال في حكم القائم لأن النتائج لم تعلن بعد مما يعني ضرورة أخذ الموضوع بما يستحقه من أهمية.
الاعتبــارات التي وردت في بداية المقال تشكل معالم من مدى الأهمية النسبية لحريقي البرجين مما يلزم الجهات المختصة بالإفصاح عن أسباب الحريق الأول الذي مضى عليه أكثر من ستة أشهر وكذلك عن أسباب الحريق الثاني، وفي كلتا الحالتين تمت الإشارة إلى أن الأخشاب المستخدمة في أعمال الصب ساعدت على انتشار الحريق إضافة إلى الرياح وهذه عوامل جانبية لا قيمة لها على الإطلاق عند الحديث عن السبب المباشر للحريق.
يبــدع كثيراً أصحاب فقه المآلات في الحديث عن الآثار المترتبة على تصرف معين، وهو ما ساعد في فتح آفاق الفقه الإسلامي ليتحدث في قضايا معاصرة كانت قد طرحت من قبل بشكل أو آخر فيما يمكن تسميته فقه القضايا الافتراضية والذي كان من كبار أئمته الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وهو ما يصلح للحديث هنا عن : ماذا لو حدث حريق في ليلة من ليالي شهر رمضان وبالذات ليال العشر الأواخر وخاصة الوتر منها أو ليلة الختمة حيث لا تكاد تجد مكاناً تقف فيه، ناهيك عن أن تتمكن سيارات الإطفاء والإسعاف ومعدات أخرى للإنقاذ والأخلاء والإطفاء من الوصول إلى مكان وسط الزحام.
توقيــف العمالة في المرتين مطلوب وإجراء احترازي لكن ما الذي أسفر عنه التوقيف الأول قبل ستة شهور؟ هل أدى إلى اتهام أحد ؟ أم كانت البراءة نصيب جميع الموقوفين؟ وإن لم تكن البراءة وكان هناك من أدين فما هي الإجراءات التي اتخذت لضمان عدم تكرار ظاهرة الانتقام بإشعال حريق أو الإهمال المسبب للحريق؟ ، وهل ستحقق الإدانة السابقة تيسيراً في التحقيق في الحريق اللاحق ؟، وإن لم يكن لهذه العمالة في الحريقين أي دور في نشوب الحريقين فما هي الأسباب الحقيقية وراء الحريق الأول ؟ أم أن التحقيق لا يزال جارياً؟
أمـــام المتابع من بعيد افتراضات شتى لكن الأمر يقتضي أن تقوم الجهات المعنية بالإفصاح عن السبب الحقيقي ولا عذر لأحد في أن يقول بأن الحريق عرضي لأن ذلك إن صح فإنه يكشف عن رداءة العمالة التي تباشر العمل في مشروع بالغ الحساسية شديد التأثير على مدى الوقت، فهو ليس منتجعاً في منطقة نائية، ولا مبنى تسوق قد تكثر الحركة فيه وتقل، مما يستدعي التحقق من حسن إنجازهم للعمل بشكل عام وللتفاصيل الأخرى المتعلقة بالتشطيبات التي تحتاج في مشروع كهذا إلى عمالة ماهرة ومواد مأمونة الاستخدام لأطول فترة زمنية ممكنة، ولمن شاء أن يقارن هذا مع كثير من المنشآت التي قامت في البلد ومنها بترولية وبتروكيميائية ومدن جامعية ولم يحدث مثل هذه الحرائق .
في لقاء خبير استضافته عكاظ قبل أسبوعين ذكر أن كثيراً من المشاريع العامة تصل إلى مقاول من الباطن هو الرابع أو الخامس وتتناقص الأرقام بدخول كل مقاول جديد على نفس المشروع حتى يصل إلى الأخير الذي يعجز في أحيان كثيرة عن الإنجاز لقلة الخبرة وضآلة المبلغ واستنفاذ الوقت إلى جانب بقية العوامل مما يؤدي إما إلى تعطيل المشروع أو إلى تأخيره أو إلى القبول ببعض الأخطاء في التنفيذ مع فرض الغرامات، لكن المنتج النهائي ليس ذلك الذي يراه الناس على الصور وفي الكتالوجات.
ملــف هذين الحريقين لا يزال مفتوحاً أمام الرأي العام الذي يهمه أن يعرف الحقيقة في مكان حيوي كهذا شديد الحساسية كهذا، وحتى لا يفاجأ المجتمع ذات ليلة من الليالي المباركة بشرارة تشعل حريقاً صغيراً ولا تزال في الذاكرة أسئلة مفتوحة لهذين الحريقين الكبيرين الذين شارك في إخمادهما (58) فرقة من الدفاع المدني، ولكل صاحب خيال أن يطلق لخياله العنان لحال الناس وهم يبحثون عن ملاذ للهروب بأي طريق وبأي ثمن، فمن سيدفع الثمن حينذاك ؟! وفوق ذلك كله وقبله وبعده، ما هي احتياطات الأمن والسلامة في ظل مشاريع توسعة الحرم وما حوله من مرافق في ضوء تجارب الماضي وأمام تجارب الآخرين .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011