عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
القاتلان الأب والطبيب
الوطن في 7/7/1430هـ - الموافق 29/6/2009 م

لايكــاد يمر يوم دون أن تقرأ أو تسمع عن ضحايا التدخين إما بالوفاة أو بأمراض أشد وأوجع من الوفاة التي تنهي المعاناة وتوقف النزيف، ولا يكاد يمر يوم دون أن تقرأ أو تسمع عن الجهود الحثيثة التي تقوم بها هيئات حكومية أو أهلية في دول العالم بعامة أو الغربي بخاصة في سبيل تضييق الخناق على شركات إنتاج السجائر من المطالبة بتعويضات مالية باهظة إلى منع التدخين في الأماكن العامة المغلقة سواء أكانت أماكن عمل أو ترفيه أو تسوق أو نقل عام، وقد أدى هذا إلى أن تضع شركات التبغ إعلاناً على علب السجائر بأنه قاتل.
هنــاك جهود حثيثة أخرى لإلزام الشركات على اتخاذ المزيد من الخطوات إما طوعاً أو كرهاً لتحمي نفسها من عواقب القضايا القانونية أو أمام الأنظمة الصارمة على أن تقلص من نسب النيكوتين وأن تضع حملات إعلانية تحذر الناس من التدخين لما فيه من مضار وهلاك، وهذا ما أوجد ثقافة عامة لدى كثير من الغربيين للسعي إلى مكافحة التدخين وتقليص توزيعه وبيعه والترويج له، وإغلاق منافذ وصول الأطفال والمراهقين إلى الحصول عليه.
لكـن هذه الشركات لا تزال تجد في كثير من دول العالم الثالث ميداناً واسعاً لتحقيق المزيد من النجاح والحصول على المزيد من الأرباح تعوضها عن تقلص نشاطها هناك ودفع ما تضطر إلى دفعه من تعويضات، فهي أمام تقليص نسب النيكوتين هناك ترفع النسب في هذه الدول لترفع من معدل الإدمان على السيجارة التي لا يجد صاحبها أمامه إلا العودة إليها بين الفينة والفينة، كما أن منافذ البيع متاحة بشكل كبير وكذلك الإعلان المباشر وغير المباشر في كثير من الدول، ومن ذلك بعض المسلسلات التليفزيونية التي تقدم عبر التدخين إيحاءات بنفوذ وجاذبية الممثل أو الممثلة اللذين يتفننان في ممارسة التعامل مع السيجارة .
لكــن الأخطــر من ذلك كله هو التدخين السلبي أو غير المباشر، حيث أثبتت دراسة ألمانية حديثة قام بها المعهد الألماني لأبحاث السرطان ونشرت على موقع دويتشه فيله DW أن مدخن السيجارة يستنشق منها (15%) فقط أما الــ (85%) المتبقية فتنطلق في الهواء وكلما كان المكان مغلقاً ومكتظاً بالناس كلما زادت المخاطر، ومع كل الاحتياطات الغربية في هذا المجال فإن التدخين السلبي بحسب الدراسة يقضي على (3300) شخص في ألمانيا سنوياً وهؤلاء الضحايا هم أكبر بكثير من ضحايا تعاطي المخدرات الممنوعة ومرضى جنون البقر والسارس مجتمعة.
الأطــفال وخاصة الرضع وكبار السن هم أول ضحايا التدخين السلبي، وبين هؤلاء من يعاني من أمراض صدرية أو ضعف مناعة أو ربو ومعلوم أن النسبة الغالبة من دخان السيجارة ينطلق خارج فم المدخن مسبباً له ولغيره أمراضاً كالسرطان والقلب والرئة والجلطات، فكيف يكون حال هؤلاء الذين لا يملكون حيلة ولا يجدون سبيلاً، إن كانوا في أماكن يمارس فيها التدخين إما في مخالفة واختراق للنظام، أو لعدم وجود نظام يمنع هذه الممارسة.
والسؤال يغدو كبيراً بحجم الفضاء الواسع عن الأب الذي يمارس التدخين في منزله بين أهله من أطفال وزوج وأبوين وإخوة وأخوات وخاصة الفئة الأولى من هؤلاء أو في سيارته التي لا تتجاوز مساحتها الداخلية ثمانية أمتار مربعة، كيف يشعر وهو يعرض صغاره للهلاك ويسبب لهم أمراضاً في الحاضر والمستقبل، ما مدى المسؤولية الأخلاقية والقانونية لأب من هذا النوع يمارس قتل صغاره وهو يعلم أن تدخينه وسطهم يضرهم أكثر من أي شيء آخر، حتى من الأوبئة والأمراض السارية.

ومــاذا عن الطبيب الذي تدخل عليه أم بصغيرها الذي لم يتجاوز عمره الأربعة أعوام ولا يكاد ينام الليل من ضيق النفس وآلام الربو والسعال الحاد وأمه وأشقاؤه معه في المعاناة ثم يستمع إلى الأم وهي تشرح الحالة له بينما هو يستمتع بنفث دخان سيجارته في عيادته ويرى معاناة وآلام الطفل وهي تزداد بفعل هذا التصرف القاتل، وقبل أن تغادر عيادة هذا المستهتر تنقده الأم مبلغاً هو أعلى أجر في المدينة مقابل الكشف والمعاينة، والمبلغ مرتفع لأنها عيادة مرموقة في مركز مرموق، لكن ذلك السلوك لم يكن مرموقاً بحال من الأحوال .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011