عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
الصين في قبضة امرأة
الوطن في 19/8/1430هـ - الموافق 10/8/2009 م

عشــرون مليون من المسلمين الصينيين من أبناء الإيغور يتعرضون لحملة ظالمة من الحكومة الصينية التي مارست عبر العقود الماضية أبشع أنواع التعذيب من تهجير وقتل وسجن لا لشيء إلا لأنهم يطالبون باحترام هويتهم المتمثلة في خصوصيتهم الدينية والثقافية والعرقية في عصر تتنوع فيه الثقافات وتنطلق فيه القنوات في الفضاء تسبح من خلالها أطياف متباينة من المسموح والممنوع والحرام والحلال، ومع ذلك فالناس يتقبلون ما يروق لهم، ويتركون في سلام ما لا يوافقهم، والحياة تسير ولا يعكرها إلا المعتدون.
لكــن الصين بحكوماتها المتعددة تضع في حساباتها التصفيات وتمارس القمع لأنها تملك قوة الآلة، بينما يملك الإيغوريون قوة الإيمان والاعتداد بدينهم وثقافتهم، ولم ينسلخوا عن شيء منها كما انسلخ أتاتورك وأتباعه عن الحرف العربي واختيار اللاتيني ليوهم نفسه أنه دخل في نادي أوروبا وخرج من نادي الإسلام، لا يزالون وهم ينتمون في غرب الصين إلى العرق التركي يستخدمون الحروف العربية في كتابتهم، ويقيمون الشعائر من جمع وجماعات وصيام وقربات.
ومــن تحت البركان تخرج الحمم لتحرق الطغاة ومن هذه الحمم كانت "ربيعة قدير" التي تجاوزت الستين من العمر وهي في صراع من أجل نصرة أبناء شعبها في سعيهم إلى انتزاع حريتهم الدينية ولم تتنكر يوماً لكونها صينية لكنها تأبى أن تذوب هويتها في هوية ليست منها أو لها، وهي في جهاد منذ الرابعة عشر من عمرها، ربما خسرت الكثير من صحتها ومن راحتها ومن استقرارها لكنها لا تزال تعلن حتى وهي في السجن أو تحت الملاحقة حريتها واعتدادها بما هي فيه.
أنجــبت من زوجها الأول ستة أطفال وكانت قد تزوجت في الرابعة عشر من العمر، لكنه لم يتمكن من الإنفاق عليهم لقلة ذات اليد، فاضطرت إلى أن تعمل مما عرضها لملاحقة الطغاة بحجة تكوين الثروة بينما الحقيقة أنهم لا يريدون للإيغوريين أن يحققوا استقلالاً كريماً ، فعملت على أن تكسب من خلال غسيل ملابس الآخرين، ومع أنها رأت في ذلك إهانة لها وتحقيراً لكرامتها، لكنها صمدت كي توفر لقمة عيش كريمة لعائلتها، وانتهى زواجها بالطلاق من زوجها حين رأت أن حياتها لا تسير على النحو الذي يحقق لها ولأفراد أسرتها ما يحتاجون إليه، لكنها استمرت في أعمالها حتى خرجت من نفق الفقر وأصبحت من الأثرياء.
حيــن علمت بنبأ إطلاق سراح أحد الإيغوريين الشرفاء (صدّيق راضي) بعد سجنه تسع سنوات سافرت إلى حيث يقيم بالطائرة ثم بالدواب والسير على الأقدام إلى أن وصلت إليه وجدت فيه الرجل الذي يشاطرها هموم التحرير والحفاظ على الهوية الغالية، ثم عرضت عليه أن يتزوجها وحين فاجأه العرض سألها لماذا، فأجابت كي أساعدك في قضيتك من أجل الإيغوريين وكي تقف إلى جانبي من أجلهم حتى نستطيع أن نخدم قضيتنا على نحو أفضل وأكمل، لكن من حوله رموها بأنها ربما تكون جاسوسة للنظام، فيما رأى هو بعد طول نظر أنها أبعد ما تكون عن هذه التهمة.
حاولــت حكومة الإقليم ثم الحكومة المركزية ضمها لتكون تحت وصايتها، لكنها لم تكن لأولئك كما يشاؤون لأن روحها متشبعة بروح الحرية، وقلبها مسكون بعزة الإيمان، وعقلها محلق في آفاق الإنسانية الرحيب، إلى أن أدخلتها السلطات السجن في عام 1999م ثم خرجت بعفو مشروط قبيل اكمال مدة سجنها، لأسباب صحية وبضغوط من الولايات المتحدة، ومن جديد وجدت ربيعة نفسها أمام قدر مقاومة الطغيان الصيني فراحت تجوب البلاد تشرح القضية وتستدعي الضمائر الواعية لتقول شيئاً .
ومــن جديد أيضاً لجأت السلطات إلى الانتقام منها بتلفيق التهم لأبنائها في الصين وإيداعهم السجن واستنطاقهم واستكتابهم كي يشهدوا بأنها هي التي تثير الفوضى في الأقليم، وهو الأسلوب نفسه الذي استخدمه من كانوا يرفعون الأسوار العالية أمام الحريات، لأن الوجدان الذي يستسلم للطغيان لا يستطيع أن يتحرر منه ويحسب أنه وحده قادر على أن يسلخ عن الناس آدميتهم ليقيم على أنقاضها عبوديتهم له.
هذه الدولة بتاريخها العريق وبقوتها الاقتصادية والعسكرية تضغط بشدة على ما يحطم تماسك امرأة لكنها بدت صابرة مثابرة وهم يؤذونها في أولادها وأقرباء لها آخرين للنيل منها، ولولا أنها توجعهم بفضح ما يمارسونه على الإقليم بخاصة والإيغوريين بعامة لما لجأوا إلى هذه الأساليب التي تليق بالعصابات وليس بالحكومات الرشيدة، وفي ذلك كشف للغطرسة الصينية وإحراج للدول الإسلامية.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011