عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
أزمة التقاعد
الوطن في 26/8/1430هـ - الموافق 17/8/2009 م

التقاعــد للبعض حياة برزخية تفصل بين حياة العمل وانقضاء الأجل، كما أنه في ذات الوقت للبعض ينطبق عليه ما ينطبق على الموت حين يزور أحد الناس فهو إما مستريح أو مستراح منه، لكنه لكثيرين لا هذا ولا ذاك، بل هو حرمان مزدوج: لمن يعمل بعزم متجدد وذهن متوقد وعشق لعمله يجعله إضافة لا تنتهي وجذوة لا تنطفيء، كما أنه عون لآخرين من زملاء في العمل يجدون فيه نموذجاً صالحاً لمن يعمل فيتقن ويعطي فلا يمتن، ولمستفيدين من خدمات جهاز يقوم عليه أو يعمل هذا الشخص فيه فينالون بما يقدم من خدمات أفضل ما يمكن أن يحصلوا عليه.
علــى أن التقاعد بوضعه الحالي يكاد يحكم الجميع بمعيار وحيد هو بلوغ الستين والاستثناء قاعدته وضمن نطاق ضيق محدود، لكن المعيار هذا ربما بني عند ابتكار الوظيفة العامة ثم توقف الزمن عند ذاك، أو توقف المعيار عن مسايرة الزمن، فهناك في كثير من الدول قواعد خارج قاعدة الستين لوظائف معينة، بل إن هناك أصنافاً من الوظائف في بعض الدول يترك فيها للموظف اختيار الوقت الذي يراه مناسباً لتقاعده، ولا يزال الأمر في دول أخرى يخضع سن التقاعد للمناقشة إما لرفعه أو لإسقاطه عن بعض أنواع من الوظائف.
أسـاتذة الجامعات والاستشاريون من الأطباء والقضاة، هي فئات تبدأ العمل ــ في الغالب ــ في سن متقدمة نسبياً عن كثير من الفئات الأخرى التي تبدأ نشاطها عقب التخرج من الجامعة فوراً أو ما دون الجامعة في أحيان أخرى، هذا إلى جانب أن التجدد المستمر في طبيعة نشاط هذه الفئات وضرورة متابعتها لهذا التجدد أو التطور يجعلها تمتاز وتكتسب ندرة نوعية بل ويصبح من هؤلاء أحياناً مرجعيات في العلوم بكل أطيافها وفي الطب والقضاء وهو ما يعني ضرورة التمسك بأصحابها طالما أنهم يرغبون في الاستمرار في مزاولة أعمالهم، إلى جانب الاحتفاء بهم وتكريمهم وإتاحة الفرصة لهم للمزيد من الإبداع والتألق.
مــن ناحية أخرى فإن المملكة تشهد توسعاً كبيراً في مجالات التعليم العالي إما بإضافة جامعات جديدة أو بإنشاء كليات أو أقسام في الجامعات القائمة، بحيث أصبح هناك عشرون جامعة كبيرة تحتل مساحات كبيرة من أراضي ومباني ومعامل ومدرجات في مناطق مختلفة من المملكة، بعد أن كانت سبعاً فقط قبل سنوات قليلة، وهذا يعني الحاجة الكبيرة إلى من يقومون بالتدريس في هذه الكيانات الكبيرة، بل إلى من يقومون كما قام بعضهم أو أسلافهم بالإسهام في بناء وتأسيس التعليم العالي في جامعات رائدة في المملكة.
كــذلك الحال في مجال الطب وفي مجال القضاء مع الأخذ بعين الاعتبار أن القضاء في بعض الدول يمارسه الشخص بعد خبرة في المحاكم متدرجاً أو مترافعاً، وفي ذلك رفع للسلم الزمني الذي يحتاج فيه إلى تكوين الخبرة وتعميق متطلبات الممارسة المهنية الراقية، مما يعني أن نصف العمر الوظيفي أو أكثر على افتراض الستين قد مضى في الاستعداد والتأهيل إضافة إلى خصوصية المملكة اليوم في حاجتها إلى المزيد من الأطباء والقضاة.
في الولايات المتحدة الأمريكية لا يوجد عمر تقاعدي للقضاة في خمس عشرة ولاية، كما أن العمر التقاعدي ــ إن وجد ــ يتراوح بين (70 ــ 75( سنة في ثمان عشرة ولاية أخرى، بينما تفرض بقية الولايات التقاعد عند سن معينة لكن بشروط محددة، وكانت الحجة لتلك الولايات التي ألغت أو رفعت سن التقاعد أن التطور التقني قد أراح القضاة من بذل المزيد من الجهد البدني وأن مساعديهم يقومون بالكثير من العمل وفي ذلك راحة لهم، كما أن هنالك زيادة في متوسط الأعمار حيث ارتفع المعدل المتوقع للحياة من (71) في عام 1972م إلى (76) في عام 1992م هذا إلى جانب تغير البنية السكانية لكثير من الولايات، وتقدم سبل العناية بالصحة العامة.
يتذمــر كثير من أساتذة الجامعات لدينا من التقاعد من حيث الأسلوب الذي يخلو أحياناً من التقدير وحفظ المكانة الأدبية والريادية لكثير ممن أحيلوا إلى التقاعد وكان الأجدر أن تعترف الجامعات بفضلهم وعلمهم ومقامهم بدلاً من أن ترسل لأحدهم ورقة جافة باردة تشعره بنهاية مشواره، وكذلك من حيث شرط السن فبعض هؤلاء لم يعمل في الجامعة إلا أقل من ثلاثين عاماً بل إنه يشعر بأنه لا يزال في قمة عطائه المعرفي في الحقل الذي يمارس فيه التعليم والبحث والإرشاد، ولن ينصف هؤلاء لا ديوان الخدمة المدنية فهم ليسوا بالنسبة له إلا موظفين يجري عليهم ما يجري على سواهم، ولا الجامعات التي أفنوا فيها أجمل أيام حياتهم لأن كل جامعة مشغولة ــ في نظر قياداتها ــ بأهم من قضية هؤلاء.
لعــل المهتمين بشأن المتقاعدين يجعلون هذا الأمر أحد أهدافهم التي يسعون من أجلها لإسعاد أنفسهم وإسعاد الآخرين.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011