عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
إلا حجابي
الوطن في 7/11/1427هـ - الموافق 27/11/2006 م

هــذه هي العبارة التي انضوى تحتها نساء مصر في وجه الدعوة التي أطلقها في وجوههن وزير ثقافتهن وكأنه بذلك يلطمهن على هذه الوجوه التي أبت إلا أن تستعصي على الدعوة إلى أن تساق في تيار التغريب منذ أيام محمد علي وتحديداً في عام 1826م أي أن قرابة قرنين من الزمان من الطرق على صفيح اقتلاع مصر من جذورها في هذا المجال تبوء بالفشل من جديد.
ولأن التاريخ أشبه بكتاب يقلب الناس صفحاته فيجدون السطور ناطقة مثل الأيام، والفصول كالشهور والأعوام، فإن التاريخ اليوم يكشف عن أن الهجوم الشرس على الحجاب في أوربا وخاصة في فرنسا وبريطانيا وإيطاليا يجد من يناصره من سدنة التغريب في ديار المسلمين بدءاً من وزير الشؤون الدينية في تونس وانتقالاً إلى وزير الثقافة في مصر ولكل منهما أجندة تستند إلى ضرورة الاستثمار في الفرص المتاحة الآن طالما أن القوات الأمريكية تجثم على صدر العراق وأفغانستان، وتسعى لاقتحام دارفور تحت ذرائع شتى، وللصومال عبر وكيل حرب، وطالما أن الفتنة تطل برأسها من جديد في لبنان، وطالما أن الحصار مضروب على الفلسطينيين بدبابات الصهاينة وعصا أمريكا وإذعان العرب، فإنها الفرصة التي قد لا تتكرر للدعوة إلى نزع الحجاب.
وفـي عودة إلى الظروف المماثلة فإن الاستعمار البريطاني لمصر جاء يحمل دعوة مماثلة، فمع بدايات الاحتلال اصدر مرقص فهمي ــ واسمه يدل عليه ــ وهو صديق للورد كرومر الحاكم البريطاني لمستعمرة مصر أصدر مرقص هذا كتابه "المرأة في الشرق" دعا فيه إلى نزع الحجاب باعتباره حجاباً للعقل، ثم صدر كتاب آخر يهاجم الحجاب لكاتب فرنسي أسمه "الكونت داركور" هاجم فيه المثقفين المصريين لقبولهم الحجاب وصمتهم عليه وبعد ذلك بخمس سنوات أصدر قاسم أمين كتابه "تحرير المرأة" ومن الجدير ذكره أن طلعت حرب رائد مصر في الاقتصاد والذي أنشأ منظومة من المؤسسات تحمل اسم مصر بدءاً من بنك مصر إلى مصر للطيران هاجم بشدة أفكار قاسم أمين ووقف ضدها.
"إلا حجـابي" هي الصيحة التي تطلقها نساء مصر اليوم في وجه وزير الثقافة الذي يريد أن ينزع عنهن حجابهن وهو يعلم بالتأكيد أن (80%) من المصريات يرتدين الحجاب حسب إحدى إحصائيات مركز المعلومات التابع لمجلس الوزراء، ويعلم أيضاً أن (30%) من طالبات الجامعة الأمريكية بالقاهرة يرتدين الحجاب، ومع ذلك يصمهن بالرجعية والتخلف، وكأن الرجعية والتخلف تختزل لتصبح قصراً على اللباس، ولم يكن اللباس في يوم من الأيام عائقاً أمام إبداع وإتقان ووصول إلى أعلى درجات الحرية الإنسانية في صناعة الحياة الكريمة على هذه الأرض،ولم يمنع حجاب الأم تريزا من أن تكون رائدة عمل إنساني استحقت عليه جائزة عالمية كبرى، ونالت به إعجاب وتقدير شعب بأكمله.
والوزيــر المثقف هذا يريد أن ينشر ثقافة السفور وهو يعلم جيداً أن جهوداً كبيرة على مدى قرنين من الزمان فشلت في نشرها وإن تحققت جزئياً في بيئة من البيئات في مصر أو تركيا أو سوريا، فإنما هي بفعل النفوذ والبطش والتهديد حتى إذا حان للمرأة أن تعيش حياتها التي تختارها وتريدها لنفسها رجعت إلى التوازن الذي تجد فيه راحتها وطمأنينتها، ولذلك فإنما هو غياب الوعي الذي أفقده القدرة على النظر في كل هذه المحاولات التي أثمرت فشلاً ذريعاً، بل أن الحجاب أصبح عنوان جمال وأناقة لاحتشام راق جميل.
مــا الذي يجعل البعض يندفع وراء كل هجمة شرسة على الإسلام وأهله من الأعداء في الغرب فيسعى لتسديد الطعنات للمسلمين والمسلمات هنا في ظهورهم ووجوههم، أهي الرغبة في ركوب أمواج التغيير أم هي الولاءات والانتماءات التي تبحث عن فرصة لتحقيق ذاتها أم أن هنالك قنوات تواصل مادية أو معنوية أم أنه النقص الذي يكتنف النفوس والقلوب والعقول فيجري وراء كل صيحة ويتبع كل ناعق، ولو أن الأمر يقتصر على اجتهاد فردي أو تجربة شخصية ذاتية لأخذ الناس الأمر بحجمه وحدوده، ولكنه يأتي في سياق هجمة أوروبية واضحة المعالم والرؤى، وعلى نحو يكاد يكون منظماً فمن وزير الشؤون الدينية التونسي إلى وزير الثقافة المصري إلى مهاجم جديد يطل برأسه غداً.
وإذا كان لأهل الغيرة على المسلمات من حرص فليكن قائماً على أن يصاحب الحجاب سلوك رفيع يجعل من صاحبته نموذجاً في التميز الأخلاقي والعلمي والعملي، بحيث تصبح بحجابها أكثر كمالاً وأنبل خصالاً وأشد قرباً من روح الإسلام الذي يقول الرسول ? (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ، و لا إلى صوركم ، و لكن ينظر إلى قلوبكم) وتكون صاحبته الأم الراعية بامتياز والطالبة الجادة والإبنة البارة والزوجة المخلصة في سبيل بناء المجتمع الذي يعمل فيه الرجال والنساء من أجل تحقيق الهدف النبيل: هدف الصلاح والإصلاح، لا الفساد والإفساد.
لـو لم ينص القرآن صراحة على الحجاب وتأتي بذلك الآيات في أكثر من سورة من سوره، ولو لم يبين ذلك بياناً واضحاً رسول الإسلام ?، ولو لم تكن هناك نماذج من نساء مسلمات في عصر النبوة من أزواج النبي وبناته ونساء المؤمنين، ولو لم يكن هنالك تاريخ عريض على امتداد خمسة عشر قرناً من الزمان لالتمس أحد العذر لهؤلاء وقال بأن القضية تستوعب الآراء، والمسألة تحتمل الخلاف، لكن النصوص واضحة ووتيرة العمل ثابتة وأصحاب الرأي الثقات من الأمة ماضون على الأمر، فإن الدعاة إلى سواه لقطاء ثقافة فكر، أتباع فتنة وفرقة، أدعياء استعمار واحتلال وأقل ما ينبغي في حقهم جميعاً أن ترتفع الأصوات في آذانهم وأن تلتمع اللافتات في وجوههم "إلا حجابي" .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011