عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
محاولة قطع اليد المحسنة
الوطن في 11/9/1430هـ - الموافق 31/8/2009 م

لا يزال في ذاكرتي اللقاء الذي جمعني بالأمير محمد بن نايف في بيته بمدينة جدة في أمسية رمضانية قبل حوالي عشر سنوات بناءً على طلبه، واستمر أكثر من ساعتين، لم يكن هناك أحد سوانا ومنذ دخولي من البوابة الرئيسية حتى المكتب الذي كان فيه اللقاء لم أجد أحداً حيث كان في استقبالي وتوديعي الرجل اللطيف المهذب، أما الحديث فكان حول الشأن العام وقد لفت الأمير انتباهي في عدة أمور أهمها بساطته وعفويته، وأسئلته التي كانت واضحة وهادفة وكذلك إنصاته العميق وقبل أن أغادر قلت له: لو أنني تحدثت إلى أقرب صديق فلن أتحدث إليه بما تحدثت به إليك من صراحة ووضوح، وغادرت وفي ذهني إعجاب بفكره وحبه للوصول إلى ما يحقق مصلحة في الشأن العام، وفي صدري احترام لشخصيته اللطيفة الودودة.
قبــل شهور زارني في مكتبي صديق للبحث في الإعداد لبرنامج تليفزيوني يهتم بالشباب والارتقاء بشأنهم، وتطرق الحديث إلى كيفية الإسهام في توجيه قدراتهم وإمكاناتهم إلى ما ينفعهم ويعود على أهليهم ووطنهم بالفائدة، وإلى ما آلت إليه أحوال بعضهم ممن دخلوا في نفق الإرهاب ومن عاد منهم ثم تراجع عن توبته، أو صلحت حاله، وتطرق النقاش إلى مواقف الأمير محمد بن نايف معهم إما باستقبالهم عائدين من جوانتانامو أو تائبين عائدين عن طرق الإرهاب وكيف أنه شاهد الأمير وهو يعرض على بعضهم إعانته في شؤون زواج أو سيارة أو حتى بدء نشاط تجاري، وهي مبادرات فيها استنهاض العزيمة للبناء الإيجابي، كمن يقول هذا طريق العمل فاعمل وقم بدورك في الحفاظ على مجتمعك.
ليــس الأمير في حاجة إلى هذه الكلمات، ولست أنا أيضاً في حاجة إليها، لكنني رأيت أن الوطن في أمس الحاجة إلى أن يعرف أن محاولة الاغتيال هي جريمة في حق إنسان يشهد له كثيرون بأنه يسعى لتحقيق مصالح لكثيرين تخلوا عن أهليهم وعن وطنهم بل ربما تخلى عنهم أهلهم وأقاربهم لأن الجفاء المفرط سمة لدى كثيرين من هؤلاء، وقد لا يتحمل هذا الجفاء حتى أقرب الناس إلى من اتصف به، والحاجة إلى بيان ما وصل إليه حال بعضهم من تبييت الغدر على هذا النحو فيه من الأخطار ما فيه لأنه يفتح باب الريبة والشك في آخرين ربما تكون توبتهم صادقة ورغبتهم في التراجع حقيقية، لكن حالة واحدة بهذا الفحش سوف تفعل فعلها وتقيم العديد من علامات الاستفهام والتساؤل.
هنــاك في المقابل من عرفت ممن كانوا في مرحلة من المراحل يلقون خطب الجمعة ويلقون الدروس بأسلوب فيه من الحماس بل والغلظة ما فيه، حتى تبدلت بهم الحال وأصبحوا يمارسون اليوم من المخالفات ما كانوا سيقيمون الحد على من مارس أقل منها في فترة علوهم وانتفاضهم حينذاك، ورأيت أن هذا الوطن في أمس الحاجة إلى أن يكون في أبنائه وبناته من الرفق واللطف ما يجعل المجتمع أكثر تراحماً وتفاهماً وتعايشاً ويكفي أن يرجعوا إلى قول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام "ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه" والى قوله سبحانه وتعالى: (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ).
كــان محمد بن نايف من أقرب الناس إلى الراغبين في التراجع من الخارجين، وكان يقف إلى جانبهم بالوقت وبالمال وبالثقة وبالحرص على أن يكونوا عاملين من داخل الوطن فأبواب النصح مفتوحة بما في ذلك الحاد منه والسلبي أحياناً، وطالما أن البيت واحد فلكل واحد ما يكفل له حقه في العمل وفي الإصلاح وفي النصح، بل وفي الاحتواء إن أخطأ وأراد أن يصحح خطأه، لكن أن يستغل هذا الموقف على النحو الذي جرى فذاك هو الغدر الذي لا يرتضيه دين من الأديان ناهيك عن الإسلام الدين الحق، ولا يليق بصفات الرجال ناهيك عن الذين يريدون أن يثبتوا أنهم هم الرجال وهم القائمون على التغيير.
هــذه المحاولة سوف تملأ قلوب أصحاب هذا المنحى مزيداً من الحقد والضغينة لأن وسيلتهم قد فشلت بعد أن انكشفت وكان أقصى ما يطمحون إليه إيذاء اليد التي كانت ممدودة إليهم بالمعروف وبالإحسان، ولكن المحاولة نفسها يجب أن تكون حافزاً على مزيد من الوضوح في مقاومة كل تطرف في الفكر وفي السلوك، لأن المتطرف لا يرى إلا من يتفق مع ما هو فيه، ولذلك فكثير من الذين عادوا من التطرف لم يرجع كثير منهم إلى الاعتدال بل إلى تطرف عكسي آخر أشد تفريطاً وأكثر إيغالا في طمس تلك الصورة الحادة الكئيبة التي ظهروا بها من قبل.
هــذا الذي فجر نفسه ومزق جسده إلى (70) قطعة أو أكثر، إنما يعبر عن الاحتقان الذي يمتليء به صدره وفكره وليس وحده في ذلك، إذ لو لم تجتمع عصبة تشعل النار في القلوب والعقول لما أفلحت في أن تحول إنساناً يعمل باسم رسالة الإسلام إلى قاتل يفجر نفسه وغيره في غير مبرر، وهو يقرأ في القرآن : كتاب الإسلام (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ) .
إنــه الإرهاب يفجر نفسه كل يوم ولكنه لا يحقق إلا مزيداً من الخسائر والعجز.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011