عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
الاصطفاف
الوطن في 14/10/1430هـ - الموافق 3/10/2009 م

غالبــاً ما تثار قضية من القضايا .. صغيرة أم كبيرة، فتجد أن هناك تبادراً ملحوظاً إلى اتخاذ مواقف منها بناء على تصورات ذهنية مسبقة قبل أن يتأمل المبادر في هذه القضية ويحاول أن يحللها تحليلاً يسمح له بالفهم من أجل الوصول إلى النتيجة التي تنسجم مع المنطق السليم، وهذه الظاهرة تزداد في القضايا التي يكون الدين أو العرف الاجتماعي السائد طرفاً فيها على وسيلة إعلامية مكتوبة أو مسموعة، ولا يزال للمكتوب نصيب وافر من اصطفاف ومواقف تستند إلى ما يدور في ذهن القارئ مسبقاً، لا إلا ما يستند إلى الفكر المجرد من الهوى أو الانتصار لفريق دون فريق أو شخص دون شخص .
ويفترض أن يكون الذي يعبر عن رأيه باللسان أو بالقلم قادراً على أن يضبط ما يقول لأنه يملك من الوقت ومن استشعار المسؤولية ما يتيح له من الوقت ومن المراجعة في التحقق والتثبت، لكن الذين يرمون آراءهم بشكل عابر معلقين على ما قرأوه أو سمعوه يبدون انفعالاً أكثر وحماساً أشد، وفي الغالب ينتصرون لمن بدا وكأنه يدافع عن ثوابت أو ما دونها من دين أو عرف أو سلوك اجتماعي، بل قد يرمون كتاباً دون أن يقرأوا لهم لأنهم سمعوا عنهم من آخرين، وتصبح الشائعة هي النمط العام للحكم على قضايا ذات شأن عام.
بــل إن خطباء الجمعة قد يشاركون في إثارة أمور تتعلق بما يدور من هذه الأمور مصرحين أو ملمحين دون أن يكون بعضهم قد قرأ الموضوع أو اطلع على جوانب مختلفة منه، وربما تسأل أحدهم عن المرجع الذي استند إليه في إثارة ما أثار فيفيد بأنه استمع لذلك في مجلس من المجالس أو عبر صديق من الأصدقاء (الثقات)، أو وصل إليه عبر الإنترنت بينما يشير إلى مصدر ليس فيه أي شيء مما قال وحين تطلب منه إعارتك هذا المصدر لتطلع بنفسك يسند الموضوع إلى رواية من الروايات التي يحسب أنها تكفيه عن الوصول إلى المصدر المباشر .
مـا لم يتعلم الناس من كتّاب وخطباء ومعلقين بمختلف أطيافهم أن العصر اليوم هو عصر المعلومة الطائرة في فضاء الكتابة والصورة وأن عليهم التثبت والتحقق من هذه المعلومة فإن المشكلة سوف تتفاقم ويتخذ كثيرون مواقف في ميادين الحياة بناء على معلومات إما باطلة من أساسها أو فيها الكثير أو القليل من الأخطاء التي إن بنى أحد عليها قراراً أو موقفاً أو تصرف تصرفاً فإنه سيقوده حتماً إلى نتيجة خاطئة طالما أن النهايات تبنى على البدايات وأن المآلات مرهونة بالمقدمات.
التحــرر من أسر الاصطفاف إما لهوى نفسي أو لوجاهة اجتماعية أو لانقياد جماهيري هو الطريق إلى مجتمع يعرف صاحب الرأي فيه أن رأيه ليس له قداسة وإنما هو مجرد رأي يحتمل الخطأ والصواب، وأن عليه أن يتقبل نتائج الاختلاف الفكري باعتباره ظاهرة صحية في مجتمع لا يساق الأفراد فيه تحت غلبة آراء سائدة أو شخصيات متسيدة، لكنه الحق والمنطق والمصلحة العامة التي يتفيأ الجميع ظلالها بقدر إسهامهم في بناء مجتمعهم والحفاظ على مؤسساته وصيانة منجزاته.
أمــام تسونامي الفضائيات بمسلسلاتها من جهة وفتاواها من جهة أخرى، وكل واحدة من الجهتين في حاجة إلى ضبط كبير، فإن على كل صاحب مسؤولية في نفسه وأسرته أن يجعل من التفكر والتدبر والتأمل أسلحة يقاوم بها هذا المد الذي يكاد يقضي على كل ذرة فكر ليحل محله توجيه الناس في كل مرة يوجهون "بالريموت" أصابعهم بين القنوات، ومن الخير والحكمة أن يبدأ بعض القائمين على هذه الوسائل مسيرة إصلاح خاصة في الفتوى بإنشاء مجالس متخصصة لا تقبل فتاوى مباشرة على الهواء لكن تستقبل وتدرس ثم تعلن للناس الفتوى حتى يكونوا على بينة من أمرهم، وتختار أيضاً من المسلسلات ما يهدف إلى بناء شخصية متوازنة لا شخصية تعيش تناقضات العالم كله .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011