عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
دور الجامعات في التغيير
الوطن في 4/11/1430هـ - الموافق 22/10/2009 م

ذروة بناء الإنسان في مجتمعنا المعاصر هي الجامعة لكنها تحتضن الإنسان بعد اثنتي عشرة سنة من الدراسة يصاغ فيها فكره وروحه وسلوكه وتتشكل السمات البارزة لشخصيته على النسق الذي غالباً ما يرافقه بقية حياته، يتنقل خلالها بين مختلف الألوان والأصناف والأطياف من المناهج الصامتة والناطقة.
لــذلك اختارت بعض الجامعات النخبة من هذا المنتج: الإنسان، فغدت بذلك نخبة الجامعات، لأنها تحرص على الانتقاء من بين الأفواج الكبيرة من المتقدمين فمن كان بارزاً متألقاً حظي بالقبول، ولذلك لا يكثر في هذه الجامعات عدد الطلاب والطالبات، وإنما يكثر المتميزون المبدعون المبتكرون، لأنهم يحملون من السمات ما كان سبباً لاختيارهم.
هــذه الجامعات تحظى بأكبر رصيد من المبتكرات والمخترعات، وبأكبر عدد من الأساتذة الذين يحصدون جوائز عالمية وغير عالمية، لأنهم ارتبطوا ببيئة محفزة تختار الأستاذ وتوفر المعمل وتنتقي الطالب فكأنها بذلك خلاصة اختيارات ذات مواصفات راقية، ولذا فهي منفتحة على المجتمع وعلى الناس لأنها تتفاعل بمن فيها من متألقين وبما فيها من إبداع لتؤثر في المجتمع وتحفزه كي يعطي أفضل وينمو أفضل.
كثير من الطلاب الذين يقبلون وهم غير مؤهلين لتعليم جامعي لا يستفيدون منه كثيراً، ربما كان يناسبهم أكثر لو أنهم انخرطوا في عمل من الأعمال التي تعينهم على ممارسة الحياة العملية التي تناسب ميولهم وقدراتهم مع الأخذ في الاعتبار تأهليهم في المجال الذي يناسبهم وما أكثر تلك المجالات لو أعيد ترتيب أمور السوق لاستيعابهم على نحو عادل وموضوعي، هل يصلح الحديث عن المبتكرات والمخترعات والإبداع في هذا الجو من التعليم الذي قد لا يجد أحد أطرافه نفسه فيه: لا الأستاذ ولا الطالب ولا الإدارة، إنها بيئة لن تكون محفزة، لأن بذور التحفيز تعتمد أساساً على كوامن الإبداع في النفوس وعلى حيوية الائتلاق في العقول وعلى رغبة وقدرة لا تكادان تجعلان صاحبهما يركن إلى نوم إلا لضرورة ولا يخلد لراحة إلا لحاجة، وما عدا ذلك فهو محلق في سماء الإبداع والتألق والابتكار : قراءة ومراجعة ومراقبة وترقب نتائج.
التحـدي الكبير للجامعات من هذا النوع يقع على عاتق القيادة التي تضع لها رؤية واضحة في أن تختار من هؤلاء جميعاً من ترى أنهم سوف يضيفون إلى جو الجامعة ما يمكن لنخبة تبذل من الجهد وتمارس من التفاعل مع كيانات مماثلة أو غير مماثلة مما يحقق لها ما تنافس به في عالم يمور بالكثير من المتغيرات .. لكن قليلاً منها هو الذي يثمر التغيير الحقيقي في الحياة والأحياء.
هــذه هي الجامعة ذروة مؤسسات بناء الإنسان، وبداية طريق البحث العلمي وإتاحة الفرصة الحقيقية للمواهب، كي تمارس وظيفتها في المعامل والمختبرات وهو ما يحتاج إلى أموال كبيرة وجهود أيضاً كبيرة، ومراجعات كثيرة للوصول إلى نتائج في معظمها أولية ثم تنمو رويداً رويداً .
أمــا مؤسسات المجتمع المدني فهي ذروة التفاعل الإنساني الوجداني مع احتياجات أكثرها أساسي أولي لتلبية متطلبات الإنسان، وغالباً ما تنشأ حين تلتقي همم ورغبات نخبة في المجتمع للارتقاء بجانب من جوانب العناية بالإنسان غالباً، سواء أكانت لرفع الفقر عنه أو لتخفيف آلامه وأمراضه، أو لجعل بيئته أكثر أمناً وأمانا.
علــى أن من بين مؤسسات المجتمع المدني ما تمثل اهتمامات النخبة للنخبة فقط، حين يكون المجتمع غنياً متحضراً، أو حين يجد أعضاء هذا التجمع أن السبيل الوحيد لتلبية احتياجاتهم الفكرية والنفسية والإبداعية تشكيل كيان يبنون من خلاله مستقبلهم ويحافظون على حاضرهم، وهذه في الغالب هي المؤسسات العلمية في التخصصات التي تجمع تحت سمائها من ينتمون إلى مسار علمي معين.
حيــن توجد مساحات مشتركة، أو قنوات اتصال نشطة بين جامعات تختار متألقين مبدعين، ومؤسسات تبحث عن ميادين تمارس فيها ما تحقق به لأفرادها أو لمجتمعها مزيداً من التألق والتقدم والنمو فإن الفرصة تغدو مواتية بشكل أكبر لتحقيق إنجازات ذات مستوى رفيع.
غيــر أن للثقافة دوراً كبيراً في توجيه اهتمامات هذه المؤسسات وغالباً ما يشتمل كثير منها على تبرعات مالية أو عينية عالية وعلى أوقاف يحدد مؤسسها مجالات أعمالها، ومن ثم فلابد من تفعيل ثقافة تجعل من هذه التبرعات والأوقات مورداً حيوياً يحقق للابتكارات والاختراعات ولمؤسسات الأعمال نصيباً وافراً لأنها مما ينفع الناس في غذاء أو دواء أو كساء أو في تخفيف آلام أو منع مضار كثيرة، ولا يكتفي بما استقر في الأذهان من أصناف لا يتعداها إلى غيرها مثل الإنفاق على المساجد أو طعام أو كساء، ففي إقامة مراكز البحث العلمي وفي بناء المستشفيات وفي تشييد المدارس والمعاهد صدقات وقربات قد يغفل عنها كثير من الناس، ولن تخلو هذه من المساجد بحال من الأحوال .
وهنــاك حلقة أخرى من حلقات التكامل مع الجامعة تتمثل في الشركات التي أدركت مؤخراً أن عليها واجباً أخلاقياً ومسؤولية اجتماعية في توفير فرص عمل وخاصة في المجالات ذات العلاقة بالنشاط الذي تمارسه لأنها أقدر على فهمه وعلى تحديد المتطلبات التي يحتاج إليها وهي أشد فهماً لتسييره على من شاء أن يستفيد منه.
هــذه الشركات بدأت تنظر إلى المسؤولية الاجتماعية على أنها من بين مبادئ ممارستها نشاطها، لا على أساس رفع الحرج في شأن ارتكبت فيه مخالفة جسيمة فهي تكفر عنها، ولا على أساس الوجاهة الاجتماعية والمكاسب التسويقية، بل لأنها وجدت أنها تنتمي إلى المجتمع وأنها أمام هذا الانتماء هي مدينة له بواجب ترفع به من شأن أبناء مجتمعها كأنه تماماً التفاعل البيولوجي بين الأحياء في عالم الحياة .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011