عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
سنغافورة تُعلّم العالم
الوطن في 29/10/1427هـ - الموافق 20/11/2006 م

لا تمـل سنغافورة من تعليم العالم أشياء جميلة كل يوم وهي منذ أن قررت أن تكون في مركز الصدارة في جماليات الحياة أتقنت فن التفوق والإتقان فاحتلت مركزاً إن لم يكن الأول فهو بين المراكز الأولى المتقدمة في التعليم والاقتصاد والسياحة والمواصلات والاتصالات والنظافة العامة والتسامح، حتى يوشك المرء أن يقول إنها جوهرة العالم في بناء الحضارة وضرب الأمثلة في التحول من الفقر إلى الإنتاجية ومن القاع إلى القمة ومن التبعية إلى السيادة.
احتلـت في المسابقة الدولية الثالثة للعلوم والرياضيات المركز الأول، واحتلت في النقل الجوي المركز الأول في كثير من الأحيان، واحتل ميناءها البحري مركزاً متقدماً ربما كان الأول في مناولة الحاويات وإعادة التصدير، واحتلت في الشفافية ومحاربة الفساد مكاناً رفيعاً، وحين قررت أن تحارب "العلك" لما يسببه من إساءة للنظافة حققت نجاحاً باهراً، وحين حاول أحد المراهقين الأمريكان ذات يوم أن يشوه جمال بلادهم بالكتابة على أحد حيطانها حاكموه وأصدروا حكمهم بجلده أربع جلدات مما اضطر الرئيس كلينتون آنذاك إلى التدخل والتوسط فلم يلغوا حكمهم ولكنهم خفضوه إلى جلدتين !!!
حيــن زرتها أول مرة أسميتها حديقة الزهور لأنها تفيض بالزهور النباتية والآدمية والمعمارية، وكل مرة تُتاح لي زيارتها أجد فيها صفحة من الجمال تضاف إلى ما رأيت من قبل، وفي جولة بحرية ذات يوم رأيت أنني أجوب العالم في بحاره وأنهاره وجباله وتلاله، لأنها تضيف إلى الخيال خيالاً، ورأيت حسن الإدارة في مينائها وفي مرافق حياتها وأصبحت المعيار الذي أقيس عليه ما أشاهد بعد ذلك، وربما ينجح آخرون في إقامة العديد من أوجه الحضارة المادية، لكن العناية بالإنسان تعليماً وتثقيفاً واحتراماً تظل في حاجة إلى الكثير من العناية والاهتمام.
واليــوم يضيف الرئيس السنغافوري درساً جديداً في الحرص على موارد بلاده والتوفير في النفقات التي تُضاف إلى رصيد بناء اقتصادها وتعزيز مكانتها في حسن الإدارة وحسن القيادة، حين يصل إلى مصر في زيارة رسمية مسافراً عادياً على رحلة لطيران الإمارات مما أربك البروتوكول في الجانب المصري، إذ أنها كما تقول الصحيفة المرة الأولى التي يصل فيها رئيس دولة في زيارة رسمية على هذا النحو مما اضطرهم إلى تحويل الطائرة إلى منطقة قريبة من السرادق الرسمي والبساط الأحمر، وكان الركاب يتابعون ما يجري من نوافذ الطائرة.
ثــم يكرر العملية في زيارته الداخلية إلى الأقصر في مصر حيث لم يستأجر طائرة خاصة بالرغم من أن التكلفة لا تتجاوز بضعة آلاف من الدولارات، مما استدعى الدولة المضيفة إلى اتخاذ إجراءات غير عادية في سبيل التعامل مع هذا الحدث غير العادي، وقام بالأمر نفسه حين واصل رحلته من القاهرة إلى عمان بالأردن.
القـادة الذيـن يضربون الأمثلة في الحياة بأعمالهم العظيمة لا يكلفهم ذلك شيئاً لأن الأمر في داخله أهون بكثير مما يبدو للآخرين حين يتعبون أنفسهم في التحليل والتأويل أو يرهقونها في البحث عن الأساليب التي يستطيعون بها أن يكيفوا أنفسهم مع هذه التصرفات التي يحتاجون إلى أن يعيدوا ترتيب أذهانهم ومقدراتهم في التعامل وأساليبهم التي ألفوها وكأنما هم يعيدون برمجة عقولهم وقلوبهم حتى تستطيع استيعاب ما يجري.
تـذكرني هذه الحادثة بقصة رواها لي أحد الأصدقاء من الهند قائلاً إن وزيراً ذهب في زيارة لإحدى الدول الاسكندنافية وكان يتوقع استقبالاً شرفياً من سفير بلاده هناك، وحين قرأ السفير الامتعاض على وجه الوزير ألمح إلى أنه يريد أن يطلعه على أمر بالغ الأهمية في المطار فاقتاده إلى حيث يصطف الناس انتظاراً لأمتعتهم وأشار إلى أحد الواقفين بين الناس قائلاً: هذا هو الملك يقف في انتظار أمتعته .. وقد تصدق القصة وقد تكذب، ولكن الأمر يتعلق بحياة أناس يختارون فيها ما يريحهم ويشعرهم أنهم بشر يستحقون من التقدير والعناية ما يحتاج إليه البشر لا ما تفرضه المراكز ومواقع المسؤولية.
ســنغافورة تستحق أن تدخل كتب التاريخ وكتب السياسة وكتب الاقتصاد وكتب التربية الوطنية وكتب البروتوكول وكتب التعليم، تستحق أن يقرأ الإنسان عنها ليتعلم وأن يزورها ليتعلم وأن يتابع ما يجري من كبار مسؤوليها ليتعلم، ما الذي يجعل بلداً يقفز من قائمة التخلف إلى قائمة التفوق في فترة وجيزة لا تقاس بأعمار الناس وليس بأعمار الأمم، وما الذي يجعلها وهي تتبوأ مركز القيادة أن تتجاوز إلى موقع متقدم بحيث تخلق ما يطلق في عالم الأعمال "الفجوة التنافسية" إلا لأن القادة بلغوا مرحلة فائقة من إنكار الذات وأصبحت سنغافوة "الوطن" بالنسبة لهم هي كل شيء ومن أجل الوطن يتنازل عما يمكن أن يعتبره حقاً شخصياً طالماً أن ما ضحى به يضاف إلى الرصيد العام.
إنــها حالة فريدة تستحق الاهتمام والمتابعة والتوثيق حتى يمكن أن يتحقق شيء من ردة الفعل التي تقود إلى إيجابية في الحياة تقابل الكثير من السلبيات التي تطغى على الجمال وتحجب رؤيته وتحول دون الاستمتاع بالنظر إلى الآفاق التي يتوق إليها الطامحون في أن يكون الناس في الأرض مصدر سعادة ومنبع إلهام، ذلك أن هذا التصرف من الرئيس السنغافوري يعيد ترتيب الكثير من الأولويات على قائمة حب الوطن وإيثار الوطن والولاء للوطن والانتماء للوطن، لكن ذلك يتم في عمل جميل يفخر به المواطنون ويتسابقون إلى أن يقدم كل واحد منهم شيئاً ــ بحسب استطاعته ــ مهما كان صغيراً.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011