عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
جامعاتنا الى أين في أزمة التصنيف
الوطن في 24/10/1427هـ - الموافق 15/11/2006 م

شـعرت بانتشاء مرير وأنا أرى ثلاثاً من أعرق جامعاتنا تتبوأ مراكز بين الثلاث آلاف جامعة في العالم، فمن الخير أن تكون في تصنيف أياً كان من أن تكون خارجه، وربما كان العدد يقوم على النسبية، فثلاث جامعات في سياق ثلاثة آلاف جامعة فيه من جماليات التناسق والتناسب ما يشعر بفرح، خاصة وأن هناك من يحب هذه الأسرار التي تُدخل البهجة على النفوس وتفتح للذهن آفاقاً من الخيال والذهاب بعيداً في التأويل والتحليل والتغميز.
ولكــن المراكز التي احتلتها جامعاتنا في قائمة الثلاثة آلاف جامعة جاءت أيضاً متفاوتة فبينما احتلت جامعة الملك فهد المركز (1681) جاءت جامعة الملك عبدالعزيز في المركز (2785) ثم جاءت جامعة الملك سعود في المرتبة (2910) وربما ينظر بعض الناس إلى أن في زيادة الرقم قيمة أفضل وأجمل خاصة إذا ما قيست الأمور على أساس مؤشر الأسهم الذي يشكل ارتفاعه قيمة إيجابية يعبر عنها اللون الأخضر، أما الانخفاض فإنه يحتاج إلى لون يشرح حال ضغط الدم والهياج الذي ينتاب المتعاملين أمام التدهور، ومن ثم فما يدريك أن في منازل جامعاتنا مصدر تفاؤل .. عند البعض .
لكننــي سأذهب مع أولئك الباحثين عن التفاؤل في جانبه الآخر وهو أن الأوائل هم الأفضل فاخترت الاقتصار على قائمة أفضل مائة جامعة في الشرق الأوسط فوجدت أننا حققنا مراكز أفضل من قائمة الثلاثة آلاف مما يشعر بانتشاء أشد مرارة واشد ألماً، حيث احتلت جامعة الملك فهد للبترول والمعادن المركز الخامس والعشرين وجاءت جامعة الملك عبدالعزيز في المركز السادس والستين ثم الملك سعود في الثالث والسبعين وخانتان أفضل بكثير من أربع خانات، وتلك نعمة علينا أن نبحث عن سبيل للحفاظ عليها، وقد نحقق تحسناً أكبر وأعظم لو اقتصر التصنيف على الجامعات السعودية فقط لتكون الثلاث الأول.
وممــا يثير المرارة في قائمة المائة جامعة في الشرق الأوسط أننا مسبوقون بسبع جامعات إسرائيلية، منها الأربع الأولى في الشرق الأوسط وست عشرة جامعة تركية وأن جميع الجامعات الإسرائيلية السبع هي دون الستمائة في التصنيف الدولي، وعلينا أن نبحث في الأسباب والنتائج بعيداً عن أروقة الكلام باللسان وسنان الأوراق، بل بالنظر إلى ما يحقق للجامعة مكانتها المرموقة ووظيفتها في المجتمع باعتبارها المكان الذي يتم إعداد الطلاب للقيام بواجب التنافس العلمي والعملي والبناء والتنمية قبل الخوض في منتديات الكلام وما قبله وما بعده، خاصة وأن جامعاتنا تحظى بسبل الدعم المادي والأدبي، ومن حق القائمين ــ بل من واجبهم ــ أن يلحوا في الطلب إن كان هناك قصور.
وبعيــداً عن التلاوم والتهم فإن هنالك مشكلة يشكر عليها الذين أشاروا إليها بداية في شهر رمضان المبارك حين نشروا شيئاً من التصنيف العالمي للجامعات مما حدا برجال في مجلس الشورى ــ كما أتخيل ــ إلى أخذ الموضوع مأخذ الجد والبحث فيه على أساس من المسؤولية العامة التي تلزم القادرين على الإسهام في بحثها والخروج بما يساعد على إيجاد الحلول، ورب ضارة نافعة واكتشاف السرطان في مرحلة مبكرة وبدء العلاج خير من غض الطرف وتركه على حاله.
وإذا كان التصنيف هو مفتاح لفت النظر إلى المشكلة فإنه ليس كل شيء في الموضوع، ذلك أنه لا يركز على جودة المستوى التعليمي للجامعات كما أنه لا يقيس بشكل علمي دقيق مدى استيعاب البيئة الاقتصادية والعلمية للخريجين ولكن هذين المعيارين قابلان للدراسة إما من مجلس الشورى أو من أي هيئة مستقلة ضمن معايير معدة لهذا الشأن، ذلك أن آراء الطلاب لها دور كبير في تحديد مدى الاستفادة من الجامعة ومرافقها، إضافة إلى العاملين في القطاع العام والخاص لهم أيضاً رأيهم في حجم الإمكانات التي يضيفها الخريج عند التحاقه بهذه المؤسسات، وما يدريك أن من رحمة هذا التصنيف عدم شموله نوعية التعليم وإلا لبدا ما لا يسرنا.
وقـد يفيد في هذا المجال أن يستعيد كل من له صلة بالجامعات وخريجيها ومرافقها تجربته لما تسهم به من وضع الصورة في أكثر تجلياتها وكمالها، فجامعة الملك سعود حين كانت جامعة الرياض وتلقيت فيها تعليمي ثم ذهبت إلى الولايات المتحدة وجدت أن من تعلمت على أيديهم بعضهم أفضل أو في مستوى من رأيت هناك، وكانت نوعية التعليم في حدها الأقصى على كثير من التطرف والغلو، وأتذكر جيداً أن خريجي شعبة المحاسبة وإدارة الأعمال ــ إحدى شعبتي الكلية آنذاك ــ لم يصلوا 10% من الملتحقين بالكلية قبل أربع سنوات !!!
وحيــن عدت من البعثة والتحقت بالتدريس رأيت من المضحكات المبكيات في الأداء ما جعلني أنكر أن هذه الكلية هي التي تعلمت فيها وأن هذا الجو هو الجو الذي تركته قبل سنوات معدودات.
لقــد كان الأمر محبطاً ومحزناً في آن واحد، ولكنه كان قابلاً للعلاج والتغيير والإصلاح وكان ما كان من أشياء في ذلك ــ ليس هذا مكان أو مجال الحديث عنها ــ ولكن الذي أسمعه وأراه اليوم ربما أضعاف الصدمة التي واجهتني حين عدت من البعثة وبداية التدريس في القسم.
معظــم التبريرات التي تذكر في كثير من المقالات ليست صادقة ولا صحيحة، إن المشكلة جزء من مشكلة مجتمع أفقدته طفرة وتيارات وأفكار وخلافات كثيراً من الجماليات التي يعرفها الناس حين يصبون اهتمامهم على العمل والبناء والإنتاج وتحقيق النتائج الجيدة، والإسهام في معركة التنافس القريبة والبعيدة بما يعطي النتائج التي تحقق توازناً واطمئناناً واستشعاراً للمسؤوليات.
وبــدون الحديث عن الجودة النوعية التي تسعى كثير من الشركات إلى التمكن منها والسيطرة عليها فإن كل حديث يصبح غير ذي قيمة، ولا يغيب عن البال أن الجودة النوعية لمؤسسة تخرج شباباً وفتيات هي أشد اعتباراً وأكثر إلحاحاً من شركة تنتج إطارات أو ملابس داخلية أو خارجية أو منتجات أغذية سريعة التحضير عديمة الفائدة، وهذا هو الفرق بين الساعين إلى الجودة حتى في الرؤى والغافلين عن الجودة وإن كانت في بناء الأجيال وتنمية الأمة، ولعل في التصنيف ما يشحذ همة بعض أولي العزم حتى يعلنوا اتخاذ خطوات تضمن ظهور بعض جامعاتنا في الخمس سنوات القادمة في قائمة أفضل خمسمائة جامعة، أو اختيار بديل متطرف بإغلاقها وتوزيع طلابها على أفضل ألف جامعة وتحقيق وفورات عالية وتعليم جيد.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011