عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
لا حج إلا بتصريح
الوطن في 13/12/1430هـ - الموافق 30/11/2009 م


شــعار جميل لتنظيم موسم الحج الذي يتميز بأن الزمان محدود والمكان محدود والرغبات غير محدودة والإمكانيات عند البعض أحياناً غير محدودة، ولو كان بوسعهم أن يكون الحج كل شهر لفعلوه، ولم يكن هذا الشعار بقادر على أن يخاطب في كثيرين ضمائرهم واستشعارهم أهمية وموضوعية المبررات التي دعت إليه، بل كانت أنانيتهم أو إن شئت فقل العاطفة الجياشة تصر على أن تتجاوز النداء إلى التنظيم وهي تحسب أنها لن تضيف إلى أعباء موسم تجتمع فيه هذه المنى حتى تصبح سيلاً بشرياً عارماً كما تجتمع قطرات المطر لتتحول إلى تيار عنيف، ذلك أن أحداً لا يكاد يفكر في أن الآخرين يشاركونه نفس الأمنيات ويشاطرونه نفس الرغبات ثم يفعلون نفس ما يفعله.
ثــم أضافت وزارة الصحة "لا تصريح إلا بتلقيح" تحت وطأة التحسب لوباء انفلونزا الخنازير في موسم يميل إلى البرد نسبياً ويتميز باستقبال وافدين من كافة أنحاء المعمورة استجابة للنداء الرباني العظيم المبلغ إلى إبراهيم عليه السلام: "(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) فكيف وقد أصبحت وسائل المواصلات تأخذ الإنسان من الباب إلى الباب في يسر وسهولة وسرعة لم تكن تخطر على بال أبناء الجيل نفسه قبل سنوات لا تتجاوز عقوداً معدودات وهذا مما يضيف إلى تحديات محدودية الزمان والمكان واتساع رغبات الإنسان.
يضــاف إلى التحديات المعهودة تحديات غير معهودة وتأتي بحسب ظروف الحياة والناس ومتغيراتها معاً، وخاصة حين تعلن دولة من الدول رغبتها في استغلال الحج لتحقيق مآرب لها مما لم يعهده الناس من قبل، ولا يتفق وسمو غايات الحج التي هي في المقام الأول تحقيق عظمة الله ووحدانيته والإسراع إلى ندائه بإعلان الخروج من كل شيء أياً كان واستبقاء "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك" وتحقيق المزيد من التكاتف والتعارف بين المسلمين في بقاع الأرض، ومن يقرأ كتاب "الحج قبل مائة عام" لمؤلفه الضابط الروسي "عبدالعزيز دولتشين" يجد كيف كان اهتمام الدول غير المسلمة بهذه الشعيرة العظيمة ومحاولة معرفة أحوال المسلمين من خلالها.
المســاواة في الحج هي السمة الغالبة والمظهر البارز حيث اللباس هو اللباس والنداء هو النداء والشعيرة هي الشعيرة ولا تفاضل إلا بما يضمره كل حاج من صحة إقبال على الله ومن حسن ترفق بعباد الله فلا يؤذي أو يتطاول أو يضر ولذلك كان القرآن يبين (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) وكانت السنة أيضاً تبين "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" أما إن طغت الأنانية وفشى حب الذات واستدرجت المظهرية بالطاعات فقد لا يعود الحاج إلا بالمزيد من السيئات يحملها أوزاراً على كتفيه خاصة وأن المقام الشريف لا يترك مجالاً لشيء من الظلم، (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) .
كانــت شفافية الأمير خالد الفيصل رائعة في حج 1429هـ حين رفع عاليه أمام الصحفيين بطاقة بيده قائلاً هذا تصريح الحج، هذا هو الجمال في أداء المسؤوليات حتى لا يشعر أحد بشيء إما من الحرمان أو من التساؤل، وكم كان أجمل أكثر لو أن مسؤولين آخرين أبرزوا تصاريح حجهم حتى يطمئن الناس إلى أنهم سواء وأن المخالفة لا تقع من أحد أياً كان، فالهدف سام وهو أن يشترك الجميع في التضحية بالرغبات وإن كانت سامية وشريفة أمام مطلب أسمى وهو إتاحة الفرصة لآخرين كي يؤدوا فريضتهم وإعانة الجهات القائمة على تنظيم الموسم كي يقوموا بعمل دقيق دون إزعاج لا مبرر له.
لكــن لوحظ أن مسؤولين ودعاة ومفتين يمارسون الشعيرة كل عام وفي ذلك مخالفة صريحة لأمر التصريح كل عدد من السنوات، كما أن حجاج الخارج الذين يخضعون للقرعة كي يحصل واحد من كل ألف على فرصة أداء فريضته لا يستمتعون بهذا الحق في ظل قيام الأثرة محل الإيثار والأنانية محل النظام فلا يقتصر الأمر على مخالفة وإنما يتعداها إلى تساؤلات تتحول في النفوس إلى تراكمات وشحناء تفسد على المسلمين سلامة الصدور.
الشعــار جميل والغاية شريفة والهدف نبيل والأمر يحتاج إلى حسن التزام وتطبيق لمفهوم الإدارة الحديثة فكثير من المسؤولين والمفتين والدعاة من الممكن أن يستقبلوا الأسئلة في منازلهم ومكاتبهم إما عبر الدوائر الهاتفية أو التليفزيونية طالما أنها متوفرة على مستوى سمح لكثير من الشركات باستخدامها في أصقاع الأرض كلها ولا يستدعي الأمر اجتماعات ولقاءات حقيقية وإنما يجتمع هؤلاء ويقررون عبر اجتماعات ولقاءات عن بعد ولم يخسروا إلا إضاعة وقت ومال لم يكن هناك ما يدعو إليه.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011