عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
أين تكمن العشوائية
الوطن في 20/12/1430هـ - الموافق 7/12/2009 م


الأمــم القوية هي التي لا تزيدها الكوارث إلا إصراراً على النهوض من جديد والبناء من جديد وأخذ العبرة مما جرى حتى لا تتكرر الأخطاء ويعاد مسلسل الكوارث من جديد، استطاعت اليابان أن تستعيد عافيتها بعد قنبلتين نوويتين ألقيتا على مدينتين رئيسيتين، فاستعادت الأنفاس بنظام جديد يجعل من اليابان قوة اقتصادية وصناعية وسياسية قوية، وأصبحت اليابان نموذجاً في القيام من تحت الأنقاض لتنافس من جديد على أساس متين، واستطاعت ألمانيا بعد تقسيم واحتلال أن تستعيد عافيتها وتمارس سيادتها وتحقق قوة اقتصادية كبيرة لأن الأخطاء السابقة كانت ملهمة لبناء ميتة.
فــي الكوارث الطبيعية تكثر النماذج في استعادة السيطرة وإعادة البناء وإقامة كيان أشد متانة وقوة كي يواجه أخطاراً تحقق منها ما يصلح أن يكون درساً، ولم يكن هناك من يسعى إلى إلقاء اللوم على ضحايا الكوارث أو يبحث عن مخارج سهلة لاستمرار الحال على ما هو عليه، بل هي الوقفة التي تصحح وترسم مساراً لا تتكرر فيه الأخطاء ولا تتحقق الشروط التي أدت إلى الكارثة.
تتميــز كارثة جدة بأنها ذات سجل يحمل مساراً منحرفاً وكانت التحذيرات لا تتوقف عن هذا الانحراف لا من حيث غياب البنية التحتية ولا من حيث غياب النظام الذي يحدد معالم مدينة عصرية لكنها لا تمت إلى العصر الذي تعيش فيه، بل هي لا تمت إلى أي عصر يحمل طابع حضارة إنسانية إلا ما يراه العابرون من بيوت مشيدة هنا وهناك ولكن خلف هذه البيوت أحياء يرفع البعض عقيرتهم الآن أنها بنيت تحت جنح الظلام أو من وراء السلطات وأنها مخالفة للنظام، وأنها ذات طابع عشوائي.
الحقيقـة المرة أن الذين بنوا حيث بنوا لا يملكون من القوة والسطوة ما يجعلهم ينفذون إرادتهم رغم أنف السلطات بل هي الحاجة التي ألجأتهم إلى أن يجدوا مكاناً يسترهم وعائلاتهم ولم يجدوا في مدينة واسعة الأرجاء إلا ما استطاعوا أن يحققوا فيه حلم الحياة بسكن يؤويهم من حر الصيف وعيون الناس، ثم حصلوا على تصاريح البناء وصكوك الأراضي والقروض وبعدها الخدمات الحكومية كاملة ثم أقامت الدولة في هذه الأحياء من مدارس ومساجد ومستشفيات ومراكز صحية، فأين العشوائية بعدئذ طالما غض الطرف من البداية وتم تقديم الخدمات بعد ذاك، إضافة إلى أن معول هدم كل ما كان غير مصرح به كان يعمل باستمرار في إزالة العديد من المساكن بل وحتى المساجد.
الســبب الرئيس في كل ما جرى هو تخلي الإدارات الحكومية عن قيامها بواجبها في توفير مخططات تستوعب مدينة بحجم جدة التي تستقبل مواطنين من جميع مناطق المملكة ووافدين من جميع الدول الإسلامية وغير الإسلامية لاعتبارات تتعلق بموقعها القريب من مكة والمدينة، ولأنها كانت ذات يوم ثغراً تجارياً ومصرفياً ودبلوماسياً يختزل ذكريات كثيرين ممن أقاموا فيها أو مروا بها.
وحيــن تغيب توفير احتياجات عمرانية صحيحة فإن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن أين ذهبت الأراضي بحيث اضطر الناس إلى بطون الأودية وإلى البناء العشوائي وغير النظامي كما يحلو للبعض أن يطلق عليه؟ هذا السؤال يجب أن يكون حاضراً في جدة لينطلق إلى مناطق ومدن أخرى في المملكة، وحين ترفع إدارة من الإدارات يدها عن مسؤولياتها فإن التفريط يتعداها إلى غيرها ويشعر المواطن أن أمره موكول إليه وأن عليه أن يتدبر أمر نفسه.
الوقــت الآن أثمن من أن يصرف في التلاوم أو التذمر أو مضغ الروايات وتناول الشائعات، يجب استثمار المتاح من الوقت لإنقاذ الناس من كارثة سببها إداري بحت حتى وإن كان المطر غزيراً بما يكفي لفضح هشاشة الأداء الإداري، ثم يجب استلهام العبرة كي تكون هناك مساءلة مستمرة وليست في أعقاب الكارثة فقط ثم يذهب الناس إلى مضاجعهم وكأن الأمر لم يعد يعنيهم، الوقت الآن مناسب للحديث عن نظام محاسبة سنوي يلزم كل مسؤول بإعلان خطط إدارته على الناس وإعلان المنجزات نهاية كل عام وبيان المعوقات حتى يطمئن المواطنون إلى أن هناك خدمة مدنية حقاً، وإلى أن هناك مستفيداً من هذه الخدمة هو المواطن والمقيم وإلى أن يقاس رضا هذا المستفيد باستمرار عن هذه الخدمة، وأن على الصحافة أن تكون الحكم العدل المنصف الذي لا يملك إلا الكلمة التي هي أثمن ما لديه.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011