عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
ثقافة التسامح بين الكشف والستر
الوطن في 1/10/1427هـ - الموافق 23/10/2006 م

أن يخرج علينا أحد الساسة البريطانيين ممن قام سلفه في نفس المنصب الذي شغله بتحرير صك أطلقوا عليه وعداً باسمه أمام إغراءات أموال أحد أجداد السياسي نفسه ليقول بأن النقاب يثير حفيظته لأنه يشكل استفزازاً وأن يسعى رئيس وزراء بلاده بتأييده لأنه يرى الطوق يضيق عليه لسعيه في إشعال حرب لها تداعياتها العسكرية والسياسية إقليمياً وعالمياً فذلك غير مستغرب إطلاقاً لأن الدوافع تستمد جذورها من أجندات قديمة وجديدة فيها الديني والسياسي وفيها المصالح الانتخابية والاقتصادية ومن ثم فهو الهجوم الذي لا يستغربه إلا القليل.
وأن يخرج علينا وزير الشؤون الدينية في بلد تضرب جذورها عبر جامعة القرويين إلى فاتح كبير بحجم عقبة بن نافع وأسماء إسلامية ذات شأن في ذات البلد وآخرها العالم الذي كتب تفسيراً من أجل التفاسير وأعظمها وجمع صاحبه بين الإفتاء والقضاء ثم التفسير، ويفتح هذا الوزير النار على الحجاب والنقاب باعتباره مثيراً للفتنة فهذا هو الأمر الذي يثير الدهشة إلى أقصى حدودها، ويبعث على أسئلة لا تكاد تتوقف عن أي شؤون دينية يرعاها هذا الوزير، وهل لها علاقة بالقرآن الكريم والسنة النبوية والإسلام العظيم، أم هي شؤون دين آخر لا يعرف عن هذه المقدسات شيئاً .
إن اللباس ابتداءً أمر اختياري وللإنسان أن يلبس ما شاء ويأكل ما شاء وينام حيث شاء ويذهب حيث شاء طالما أن هذه الفرديات لا تتجاوز الحدود إلى اعتداء على آخر، ولكنه في الوقت ذاته تصرفات تبنى على أمور أبعد من مجرد القرار الشخصي أو المزاج النفسي لصاحبها، فالإسلام نظم حياة أتباعه على نحو يفصل فيه اللباس للمرأة والرجل ويبين أن هناك حدوداً لكل منهما وفي الزينة للمرأة والرجل أيضاً وفي شأن الإحرام للحج والعمرة لكل منهما، وكذلك الحال في بقية نشاط المسلم من أكل وشرب وبقية شؤون حياته.
حيــن تختار امرأة بطوع إرادتها وبمطلق حريتها أن ترتدي من اللباس ما ترتدي وتشعر في قرارة نفسها أنها إنما تطيع خالقها وأنها تمارس عبادتها وأنها لا تخضع لحكم أحد من الناس أياً كانت مكانته ومهما بلغت منزلته فإنما هي بذلك تسلك مسلكاً تعززه حرية الإنسان وتؤيد ديموقراطية المجتمعات التي لا ترى حرجاً في أن يتبع المرء الطريق الذي يرى فيه ما يحقق له شعوراً أكبر بالطمأنينة والارتياح والآمان، والمفترض أن يسعى المجتمع بكل مؤسساته إلى تحقيق هذه التوازنات النفسية لأفراده حتى تثمر في مجموعها مجتمعاً متوازناً مطمئناً آمناً .
وبالمقابـل حين تختار امرأة بطوع إرادتها بمطلق حريتها أن تتحرر من اللباس فلا تبقي في بعض الأحيان إلا على قطعتين صغيرتين لا تكادان مجتمعتين تساويان مساحة منديل جيب، وقد تضيف إلى هذا الابتذال ابتذالاً آخر بالمساحيق والألوان والعطور والكعوب فإنها تحقق بذلك كله خدمة لمصلحة طرف أبعد من حدود الإرادة المجردة والحرية السامية، وقد يغض المجتمع الطرف عن هذه المتحررة في سبيل كسب قدر من الطمأنينة والهدوء ولكنه الغض الذي لا ترتاح له الضمائر السوية والنفوس المستقيمة لأن الثمن الذي يدفعه المجتمع من ملاحقات واغتصاب وجرائم هي خارج حسابات السكون واللامبالاة.
يؤيـد هذين المسلكين شاهدان من عالم الواقع، حيث تحتضن ظاهرة الحجاب والنقاب مساجد ومدارس وجامعات ومؤسسات عمل وإنتاج وتحتضن الظاهرة الثانية مسابقات ملكات الجمال واستوديوهات تصوير الأفلام ودور عروض الأزياء والمسارح وساحات الفن الواسعة، والفرق بين هذين المحضنين كبير وعظيم بقدر المسافة بين الحياة في صورتها الجادة الصاعدة المنطلقة إلى آفاق سامية، وبين الحياة في صورتها الهازلة الهابطة المرتكسة في مهاوي الضياع، وهنا يقف النص القرآني الكريم في سورة النساء ?وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً? .
مــا الذي يجمع إذن بين السياسي البريطاني سليل الوعد المشؤوم وبين الوزير المسلم للشؤون الدينية سليل الفتح والنور، إنها الجهود التي يبذلها كثيرون لمحاربة الإسلام في أشخاص أتباعه وسلوكهم والتزامهم، ومن أهم وأعظم ما يقوم الإسلام بالحفاظ عليه هو المرأة المسلمة باعتبار حاضنة الأسرة فهي الزوج والأم والأخت والبنت وهي الراعية وهي أيضاً المعلمة والطبيبة وبقدر ما ينجح الأعداء في النيل بقدر ما يشعرون أنهم أصابوا من المسلمين المقتل الذي يظل ينزف جراءه فلا تستقيم أسرة ولا يقوم كيان ولا ينجح زواج ولا ينشأ أولاد وبنات في بيئة سوية متوازنة.
لمـاذا لا يتركون المرأة المسلمة وشأنها تعيش كيف تشاء كما يعيش الأخريات كيف يشأن، فإن اضطرت إلى العمل أو اختارته كان القرار قرارها، وإن رأت أن تلتزم اللباس الذي تشعر أنها فيه أقرب إلى رضا ربها التزمته دون إجبار على التخلي عنه وإلا خسرت الدراسة والوظيفة وربما الحرية، وإن شاءت أن تكون زوجة ثانية أو ثالثة أو رابعة بمحض اختيارها فهي وحدها صاحبة الكلمة وليس لأحد أن يختار نيابة عنها منعاً أو إكراهاً .
ربمــا يشكل هذا الهجوم وما سبقه وما قد يلحقه من القسوة والفظاظة ما يكاد يعادل تدميراً يلحق العراق اليوم وقبله فلسطين لأن في هدم رسالة المرأة المسلمة هدماً لرسالة الأسرة المسلمة وهدماً بالتالي للمجتمع المسلم كلهن وليس أقدر على مواجهة المعركة من مسلمات يدركن أولاً رسالتهن ويدركن ثانياً رسالة أعدائهن في الداخل والخارج ويسعين في مواجهة الحرب بحرب أقوى تجعل للمرأة هيبتها ووقارها وقوتها التي لا ينال منها الطامحون من ذوي الشهوات والأهواء فتحفظ بذلك مجتمعها وأسرتها ودينها، وربما يستدعي الأمر قيام العديد من المجتمعات النسائية بدور أكثر بياناً وجلاء لدورها وواجبها وحقوقها.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011