عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
عام الهجرة عن الفساد
الوطن في 5/1/1431هـ - الموافق 21/12/2009 م


اقتحم العـام الهجري علينا الأبواب ولا تزال جدة تحاول النهوض من كارثة ألمت بها وألقت بكثير من ساكنيها إما إلى القبور وإما إلى قوائم المفقودين أو الذين لا يكاد أحد يعرف أهم في الأحياء أم في الأموات لأن قوائم المفقودين نأت بنفسها عنهم، أو آخرين في شقق لا يعرفون إلى متى يبقون فيها وإلى أين سيغادرون منها، وكل يوم ينقضي تتلاشى رويداً رويداً صورة الفاجعة وتحل مكانها الحياة الرتيبة أو الصاخبة التي تلقي على الناس بظلالها.
لــو كتب لمن أبدعوا في صياغة أهوال هذه الكارثة أن يكونوا هم الذين يعيشون لحظاتها ويتقلبون بين أحضانها لربما أدركوا حجم المعاناة ولعرفوا أن الفساد يؤول دائماً إلى آلام وأحزان ووفيات يعيش كثير من الناس تحت وطأتها زمناً طويلاً، بل قد تستغرق أجيالاً بشرية تدفع ثمن إهمال أو تقصير أو غش أو اختلاس أو سوى ذلك من الصور التي يأتي عليها الفساد الذي لا يخرج عن كونه خيانة أو استغلالاً.
مــاذا لو حركت الهجرة النبوية نوازع الصفاء في النفوس واختار المفسدون الإقلاع عما هم عليه، ورأوا في أولئك الذين خرجوا من أهليهم وأموالهم وديارهم نماذج يستلهمون منهم أن المبادئ السامية ترتقي بالإنسان ليخرج مما هو له مؤثراً عليه القيم النبيلة والأخلاق التي لا ترى في الأرض ما يستحق أن ينال موقعاً في النفس، ناهيك عن أن تركن إلى مبررات وحيل للحصول على ما ليس لها فيه من نصيب، بل هو للغير في إطاره الخاص أو العام .
مــاذا لو اتخذ كثير من أصحاب الأقلام في كتاباتهم والألسن في خطبهم والمجالس في دواوينهم من كارثة جدة حالة عملية لغياب الرقابة الذاتية والخارجية في أداء الأعمال، واختاروا أن يكون هذا العام الجديد عاماً يعلن كل واحد فيه من هؤلاء ما يستطيع عمله من أجل محاصرة الفساد والتضييق عليه لأن صور الجثث والسيارات والمنازل والممتلكات تملأ المواقع الإلكترونية كما أن الاستغاثات تصك آذان ذوي الضمائر الحية.
هنــاك خطوط حمراء وصفراء وخضراء، والخضراء لاكتها الألسن وزحفت عليها الأقلام وأتت فيها بما يصلح وما لا يصلح لأنها الأرض الخصبة التي ينبت فيها أي شيء تماماً مثل بعض الأراضي التي يضع من يشاء عليها يده ويستخرج من الصكوك ما يشاء، وهناك الصفراء التي لا يكاد يلامسها البعض إلا في حذر شديد مخافة أن يقع قلمه على لغم فينفجر فيه، أما الحمراء فهي التي تحتاج إلى القادرين فقط.
لـو أن الخطوط الحمراء غير موجودة أو كانت خاضعة للمحاسبة والمساءلة لما كانت هناك خطوط صفراء أو خضراء، ولغدت الأمور كلها في مدار: من أين لك هذا؟ وليس من الصعوبة بمكان أن يجد الإنسان مؤنساً في أن يقف رجل أمام عمر الفاروق رضي الله عنه وهو يلقي خطبته ليسأله في قوة وجلاء: من أين لك هذا الثوب الذي عليك؟ ويتوقف أمير المؤمنين ليوقف ابنه عبدالله ويقول: أجب يا عبد الله فيجيب بأنه ثوبه الذي ناله ضمه أبوه إلى ثوبه، فهدأ الرجل وقال: الآن نسمع ونطيع يا عمر.
وليــس بعيداً عن العيون محاكمة الرئيس الفرنسي السابق بسبب موظفين جرى تعيينهم حين كان رئيساً لبلدية باريس بما لا يتفق ومبدأ التوظيف في فرنسا !!! إنها الأمثلة الحية من الواقع القديم والحديث بين أمثلة كثيرة إذا أراد الناس الراغبين في الإصلاح أن يكون لإصلاحهم معنى، وأن يكون للضعفاء نصيب من اهتماماتهم في الحياة.
لا يكفي الحديث عن الفساد والانقضاض عليه بالكلام والكتابة، بل لابد من أمثلة الإفساد ومخالفة الأنظمة أو القصور في تطبيقها، فهناك رقابة قبل الصرف وهناك رقابة بعد الصرف وهناك مراقبة أشغال عامة، وهناك أيضاً قبل ذلك وبعده لمن يباشرون شأناً من شؤون الحياة سؤال كبير: ماذا قدمت لوطن أفخر بالانتماء إليه ؟ وسؤال آخر من شؤون الحياة الخالدة هناك: ماذا قدمت لتمنع فساداً من الوقوع وكنت قادراً على منع وقوعه ؟!

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011