عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
محمد يونس .. نموذج المسلم الذي ينفع الناس
الوطن في 24/9/1427هـ - الموافق 16/10/2006 م

حيــن عاد الدكتور محمد يونس من الولايات المتحدة الأمريكية بشهادة الدكتوراه في الاقتصاد كان من الممكن أن يظل مستمتعاً بين آفاق علم الاقتصاد بأنواعه الكلي والجزئي والرياضي والقياسي والصعود والنزول في منحنيات العرض والطلب والمنفعة الحدية إلى آخر جماليات ما في النظرية من خيال وإبداع ورياضة فكر، ولكنه وجد أن ذلك لا يفيد في شيء الملايين من مواطنيه الذين يرزحون تحت خط الفقر بل الذين يفتك بهم الجوع والمرض والموت البطيء.
كـان بوسعه أن يظل أستاذ اقتصاد جامعياً تغريه البحوث وتستقطبه المؤتمرات وتفتح له المجلات العلمية صفحاتها وترتقي سلم الترقيات وربما فاز بمنصب رفيع في الحكومة البنغلاديشية فغداً وزيراً أو مديراً عاماً وكان بوسعه أيضاً أن يدخل عالم الأعمال في إحدى الشركات فيحصل على دخل جيد ويعيش حياة يتوق إليها الكثير مواطئي بلاده، وكان بإمكانه حينئذ أن ينفق على ذوي الحاجة من الدخل الكبير الذي تتيحه له الوظيفة الكبيرة.
لكنــه اختار طريقاً آخر يعالج به واقعاً يحتاج علاجه إلى شخص له وجدان حي وفكر متألق ونظر بعيد ومعايشة خاصة لما يعاني الناس منه من عوز وفقر وأمراض وما يقاسون منه من ضغوط وما يقف أمامهم من جدران لا تسمح لهم بالخروج إلى عالم يفتح لهم أبواب الرزق التي جعلها الله لعباده إن أخذ المجتمع بأسباب ولوجها والانطلاق في عالم الكسب ومحاربة شبح الفقر والحاجة.
اختــار يونس البداية المتواضعة بعد أن يئس من قيام البنوك التقليدية بخطوة في الطريق الذي يرفع الفقر عن كاهل الفقراء، فأقرض ما لديه من مال والذي لم يتجاوز سبعة وعشرين دولاراً إلى اثنتين وأربعين مقترضاً ولم يشترط ما تشترطه البنوك من كفالات وضمانات ولكنه اختار أن يخاطب في المقترضين وجدانهم وعزتهم وكرامتهم وأنهم قادرون على تحقيق ذواتهم وبناء مستقبلهم والخروج من نفق الفقر إلى أفق الكسب.
كــان هذا المبلغ البذرة التي غرسها محمد يونس في حقل بدا يتسع ويتسع حتى تجاوز حدود قريته ليشمل بلاده كلها ثم تجاوز بلاده لينتشر في العالم كله، واستطاع أن يصل إلى خدمة ما يصل إلى ستة ملايين ونصف المليون شخص من مواطنيه اليوم وما يزيد عن أحد عشر مليون في مناطق من العالم يعملون في سبيل تحقيق حياة كريمة ينعمون فيها بالتعب من أجل راحة النفس والاطمئنان إلى أن الفقر لن يكسر من عزتهم وأن المرض لن يفتك بأبدانهم تحت طائلة العجز والحرمان.
لــم يكن هذا المجاهد يسعى إلى أضواء هذه الجائزة العالمية الفارهة "نوبل للسلام" وإلا لما وصل إلى ما وصل إليه، ولكنه كان يسعى إلى بريق آخر، إنه البريق الذي تراه في عينيه حين يتحدث عن النجاح الذي يمكن لهؤلاء الناس أن يحققوه وهم يعملون متكاتفين متعاونين، وهو البريق ذاته الذي تراه في عيون المستفيدين من البرامج التي غالباً ما يقترحونها هم أنفسهم ويقومون عليها هم أنفسهم، ويجدون أنها نفسها تخرجهم إلى عالم يجدون فيه الهواء نقياً لأن رؤوسهم ترتفع بالعمل وأنوفهم تقف شامخة في وجه مدمني إذلال الآخرين.
المنهــج النبوي الكريم "احتطب وبع" جعل الأعرابي يكسب من درهم واحد خمسة عشر درهماً في أسبوعين اثنين وهو الذي جاء إلى الرسول الكريم ? سائلاً مستجدياً، ولكن الإسلام لا يريد لأتباعه أن يحنوا قاماتهم إلا لخالقهم ولذلك أوصى النبي ? أصحابه قائلاً : "إذا استطعت ألا تسأل أحداً شيئاً فافعل" وهو توجيه رفيع كريم طبقه بعض الصحابة إلى الدرجة التي يسقط فيها سوط أحدهم عن دابته فينزل عنها ليأخذه حتى لا يسأل أحداً شيئاً .
ثــلث قرن من الزمان عمل فيها محمد يونس من أجل بناء نموذج المسلم الذي ينفع الناس في الوقت الذي يسعى اليوم بوش وبلير ومن يسير في ركابهما بما في ذلك بابا الفاتيكان في أن يصموا الإسلام وأبناءه بالإرهاب لأنهم نجحوا في استفزاز عدد من هؤلاء الأبناء بما لا يطاق من أعمال دفعتهم إلى تصرفات يأباها الإسلام وإن كانت تجيزها فطرة الإنسان العادي، ولكن الإسلام يريد لأبنائه وللبشرية كلها أفقاً رفيعاً يغّلب التسامح على الانتقام ويجعل الثأر من المعتدي نفسه وليس من أبرياء لا شأن لهم بجريمته.
بلادنــا اليوم تعاني من فقراء يزداد فقرهم أمام شركات تعلن كل يوم وتأتي على مدخراتهم لتفتك بها في شكل علاوات إصدار وهمية لا إنصاف فيها ولا منطق، وأمام هوامير أسهم وعقارات وتمور وبيض وشرائح جوال وغير ذلك مما لا يكاد يوجد له مثيل في مكان من العالم، ولا يحتاج الفقراء إلى من يدلّس عليهم ليجني مدخراتهم أو يدفعهم إلى اقتراض يوقعهم في شرّين مؤكدين : شر الاقتراض وشر علاوات إصدار لا مبرر لها، ولم يسع أصحاب الوجدان إلى تحذير هؤلاء وهؤلاء مما يجري.
هــل يقيض الله لنا نسخاً من محمد يونس وإن كانت على مستوى أقل في الطموحات والإنجازات بحيث يسعى الواحد في خدمة عشرين أو ثلاثين أو مائة أو مائتين حتى نجد أن بيننا من يسعى في نفع الناس بما يرفع من شأن بلادنا ويعلي من شأن إخواننا ويتحقق نفع اقتصادي يعود أثره بالنفع على الوطن وأهله، ويحمي من أثره تفتك بالنفوس وتنهك الأبدان.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011