عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
تجفيف منابع الإرهاب
الوطن في 17/9/1427هـ - الموافق 9/10/2006 م

أول مشكلات الإرهاب أنه شديد الميوعة مفرط الكثافة حالك السواد لا تكاد تعرف له بداية ولا تكاد ترى له نهاية، له لون في كل ساعة وله شكل أمام كل عين، ولذا يتلوّن ويتشكّل للظروف والمصالح والأهواء، ومن ثم أصبح غير خاضع لتعريف وبالتالي غير قابل لتكييف فأصبح في متناول كل فهم، وحيث أن الأقوياء أقدر على فرض فهمهم ــ وإن كان خاطئاً مغلوطاً ــ فقد استحوذوا عليه وبات العالم كله يمسي على فهم ويصبح على فهم تبعاً لمزاج الأقوياء وظروف علاقاتهم ومصالحهم وأهوائهم.
هــل ما يقوم به السناتور الأمريكي المشرف على برامج رعاية الأطفال المشردين من تحرش جنسي عبر رسائل إلكترونية إرهاب لهؤلاء في ظل القوة التي يستند إليها والضعف الذي يحاصرهم، أم هو الإصلاح والحرص على اختبار قدراتهم على التحمل ومجابهة هذه الممارسات القاتلة أحياناً في مجتمع يحفل بالمفاجآت؟ وهل ما يقوم به طلاب مدارس أمريكيون من قتل لزملائهم في المدارس واعتداء على ممتلكات عامة تحت تهديد السلاح يختلف عما يقوم به غيرهم من قتل وتدمير يصلح معه أن يسمى هذا التصرف إرهاباً أم ضغوط نفسية ومشكلات عائلية ؟ وهل ما يقوم به أكبر زعيم ديني مسيحي من استفزاز لمسلمين في أهم ما تقوم حياتهم عليه ودفعهم إلى تصرفات تستغل لإشعال حروب ضدهم هو التوجيه والإصلاح الديني أم هي الاستفزازات الإرهابية المقيتة؟ وهل تجويع شعب وسجنه وقتل أبنائه وبناته ومنع المجتمع الدولي بل وأقاربهم وذويهم من نجدتهم وغوثهم هو الإرهاب بعينه أم التأديب وضبط السلوك؟
وهــل الغزو الفاشي لدول ذات سيادة والإطاحة بأنظمتها مهما كانت قمعية استبدادية على أساس انتقائي هو عمل خيري إنساني أم هي الصدمة والترويع التي تفرز التقسيم الجغرافي والحروب الأهلية والمناحرات الطائفية والقومية؟ وربما كان الهدف البعيد تمكين نظام آخر يحتل بلداً آخر وفي الوقت نفسه التمهيد لمزيد من هذه الحروب التي تحمل وراءها مطامع اقتصادية وسياسية ودينية ضمن استراتيجية الإرهاب الذي يخضع لتعريف القوى ولكنه يكيفه على النحو الذي يريد.
هــذه منابع إرهاب لا أحد يمكنه أن يحد منها أو يسيطر عليها لأنها في يد الأقوياء المتسلطين وهي تنمو بشكل متسارع في ظل غياب المنافسة الدولية في إدارة العالم وهيمنة القطب الأوحد الذي يستبد به جنون العدوان والسلطة والتطرف فيأتي من الإرهاب ما يشاء ويكيفه كيف يشاء تحت مسميات مقاومة الإرهاب أو نشر الديموقراطية أو حقوق الإنسان في ظل انحسار كثير من المشكلات الإقليمية التي أسهمت فيها تعدد اهتمامات أقطاب القوة، مثل أزمنة الكوريتين وفيتنام وأمريكا الجنوبية وأفريقيا وأوربا الشرقية.
أمـا المنبع الثاني من منابع الإرهاب فهو هذا السيل من المعالجات الساخرة الساذجة لمشكلة تحتاج إلى القادرين الفاعلين من أولي الرأي والبصيرة وليس فريقاً من الممثلين والممثلات الذين أتخموا المجالس بكوميديا يحسبون أنهم يعالجون بها قضية العصر وهم ــ شعروا أم لم يشعروا ــ يسهمون في إشعال فتيلها وإيقاد نارها بما يبثونه من سخرية بموروثات لها قيمتها في نفوس المجتمع ولها احترامها عند عامة الناس وفي بعض الأحيان لها قدسيتها وقيمتها الدينية المصونة.
هــذه المعالجات هي نتاج تراكم في نفوس بعض أصحاب هذه الأعمال الفنية إما لأنهم كانوا ذات يوم أطرافاً في جيوب لها أسلوب في النظر إلى المجتمع يمكن أن يوصم بالتطرف أو التكفير أو أنهم يعانون من ردة فعل لمشاهدات أو مسموعات أدت بهم إلى أن يأخذوا بعض هذه المسلّمات على أنها من عوامل تشكيل الإرهاب، وفي ذلك إسقاط لحالات مرضية على وضع هو في حاجة إلى أصحاء أسوياء لمعالجته وليس لمن يعانون من الآثار السلبية لممارسات يعرفون الآن خطرها ويعلم المجتمع ذلك بيقين.
أمــا المنبع الثالث فهو ما يتعرض له من يشاهد المنبعين الأول والثاني من أصحاب الوجدانات الحية فيرون في كل واحد منهما مصدر خطر ويرون أن بقاءهم بدون ردة فعل إنما هو القصور والتخلف عن مواجهة خطر قادم لا محالة فيتخذون أفعالاً أو يخرجون بتحليلات أو ينشرون غضبهم أحاديث قد تؤجج فيهم وفي غيرهم بوادر صراع يؤدي في نهاية المطاف إلى أمور تحسب على أصحابها وعلى مجتمعهم.
الإرهــاب اليوم ظاهرة لفظية جدلية من جهة وفعل قاتل مدمر من جهة ثانية لكن منابعه تغذي الجانبين اللفظي والتدميري دون أن يكترث أولو الشأن بالمعالجات الصحيحة لهذه المسببات، بل يظلون في انتظار ما يأتي به الغد أو ما تسفر عنه المعالجات الخاطئة وهي التي تزيد من حجمه ومن آثاره.
هنــاك جهات رسمية حكومية عليها واجب الأخذ بمبادرات جادة توضح أن الظلم الذي يقع على المسلمين اليوم في بلدانهم أو على إسلامهم ليس مبرراً إطلاقاً لتصرفات فردية أو جماهيرية تقود إلى نتائج لا تخدم الإسلام والمسلمين، بل تقدم هذه التصرفات هدية إلى منابع الإرهاب الثلاثة، وهناك منظمات إسلامية عليها واجب عقد المؤتمرات ونشر الدوريات التي تعالج هذه القضايا بكل بساطة وجرأة ووضوح حتى يعلم المسلمون أولاً أنهم مستهدفون، ويعرف المعتدون أنهم معروفون وتضع من آليات ردود الفعل ما يعزز من ثبات المسلمين وتآزرهم وصبرهم وعملهم الجاد في خدمة أنفسهم وإخوانهم وأوطانهم على نحو أفضل لأن تلك هي الخطوة الأولى للعلاج.
علـى أصحاب القرارات ــ أياً كان القرار وأياً كان صاحبه ــ أن يعطفوا على المستفيدين من آثار القرار فيرفقون بهم وأن يكونوا نماذج للعدل والإحسان لأن الظلم العالمي على المسلمين لا يبرر الظلم عليهم من أنفسهم وبني جلدتهم وأن يدرك كل كاتب وممثل ومؤلف نص ومخرج أن عليهم أمانة عظمى لا يليق بهم أن يهبطوا بها إلى ميادين السخرية والاستهزاء وقتل أوقات الناس بما يثمر بعد ذلك مزيداً من الحنق والتأثر والسخط، لأن العلاج الخاطيء يقود إلى نتائج خاطئة.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011