عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
أخطاء الكبار
الوطن في 10/2/1431هـ - الموافق 25/1/2010 م


وزيــر الدفاع الأمريكي "بيل جيتس" كان مديراً لجامعة A&M تكساس، لكنه خاض السياسة في مجال الحرب واليوم وهو على وشك الرحيل في خلال عام أو أقل، ومن ثم فلابد أن يستعيد من الأكاديمية صفاءها وأناقتها وإخلاصها للعلم وللمنطق، بدا ذلك وهو يتحدث في باكستان في زيارته الأخيرة لها قبل أيام حيث أعلن بكل وضوح أن الولايات المتحدة ارتكبت أخطاء فادحة في باكستان، وكذلك أخطاء فادحة في أفغانستان، الاعتراف بالأخطاء منهج ليس بغريب في السياسة الغربية التي لا تورث المناصب ولا تجعلها حكراً على أشخاص مدى الحياة.
هنالك فئتان من طالبان: طالبان أفغانستان وطالبان باكستان، والأولى منهما هي نتاج الثانية، لكنها حظيت بدعم كبير من الولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى بعد أن فشلت أحزاب ما بعد خروج الجنود السوفيات في تحقيق استقرار أمني وسياسي في أفغانستان، بل كانت الحرب بين هذه الأحزاب المتحالفة ضد المحتل بالأمس أشد ضراوة وضرراً على أفغانستان حينذاك من العدوان الخارجي، ولم يقتصر الدعم الأمريكي لطالبان على المال بل تعدى ذلك إلى مناهج التعليم.
إلا أن أحداث سبتمبر 2001م في الولايات المتحدة ومجيء اليمين المتشدد تحت راية المحافظين الجدد جعلت الأمريكان يعلنون الحرب على طالبان ويتصيدونهم ومن آزرهم أو كان هناك لمجرد أعمال إنسانية، وكان من بين الذين تم القبض عليهم معتدلون من طالبان، ليلقوا بهم في جوانتانامو والتي أيضاً كانت أحد الأخطاء وكان من الممكن أن يكون التعاون معهم بديلاً عن حرب في بلد أكلته الحروب وجعلت أبناءه يرونها قدرهم المحتوم، سواء مع العدو الخارجي الشرقي أو بين الأحزاب الوطنية أو مع عدو خارجي غربي.
"جيتس" اليوم يعترف أن هناك عناصر من طالبان يمكن العمل معها في سبيل الخروج بأفغانستان من مأزق حرب تزداد ضراوة كلما ألقت فيها أمريكا بمزيد من القوات حطباً لها، ويكاد يوافق "كرزاي" في أنه لا سبيل إلا بالتعاون مع طالبان، بعد سنوات من الحرب ثبت من خلالها أن في هذا الشعب قوة متجددة ضد كل ألوان الاحتلال وكان ينبغي معرفة هذه الحقيقة بالرجوع إلى التاريخ الذي لا يزال يذكر إذلال البريطانيين هناك قبل أكثر من قرن من الزمان ومن بعدهم الروس ثم الأمريكان.
أمــا الخطأ "الكبير الآخر" الذي ذكر "جيتس" أن الولايات المتحدة ارتكبته فهو في باكستان حين عمدت إلى إنهاء العلاقة الإستراتيجية بينها وبين باكستان في منتصف التسعينات حين أجرت باكستان تجاربها النووية ووجدت الولايات المتحدة أن إنهاء هذه العلاقة الوثيقة وسيلة مجدية للضغط في ظل عدم حاجتها إلى مزيد من التنسيق مع جارة أفغانستان في ظل انتهاء الغزو الروسي وتفرد الأمريكان بإدارة الساحة الأفغانية أصالة أو عبر وسيط.
أخطـاء الكبار تأتي بنتائج مدمرة شأنها شأن الكوارث الطبيعية التي يعقبها المزيد من التوابع البركانية أو الزلزالية ولكن هذه تقع عبر أيام، أما تلك فإنها تتم على مدى سنوات أو عقود من السنوات، ومن ثم يغدو علاج الآثار صعباً ومكلفاً ويحتاج إلى المزيد من المال والوقت والجهود التي يكون من بينها الاعتراف بالأخطاء والبحث عن سبل الخروج منها أو تصحيحها إن كان ذلك ممكنا.
في السياسة يصبح الممكن هدفاً أياً كان السبيل إلى تحقيق هذا الممكن لأن الوقت والمال وأطراف العلاقة وأبعادها تفعل فعلها، وقد ينسى حتى الحكماء والعقلاء والأكاديميون كثيراً من أساسيات التعامل في غير حدود الممكن الذي ينبغي الوصول إليه، أما والدكتور اليوم على وشك مغادرة الساحة السياسية في المستقبل القريب، فإن الممكن يأخذ شكلاً آخر يحتاج فيه إلى أن يبحث فيه عن ذاته أولاً، هذه الذات التي بذل السنين الطوال من أجل تشكيلها ثم ضحى بجزء منها خلال سنوات الصراع ويحتاج إلى استعادة الممكن وهو يوشك أن يغادر .
إنها الدروس التي لا ينبغي أن تمر دون اعتبار، وكما وقع "كولن باول" في الفخ وهو يعرض الأكاذيب التي وضعت له على منضدة الشهادة في مجلس الأمن، فإن الأكاديمي اليوم يحاول أن ينأى بنفسه وإن كان ذلك في وقت متأخر، ليظل السؤال: ما موقف أصحاب الأقلام والأفكار في بناء مجتمع قوي متماسك يقف سداً مانعاً أمام أخطاء الكبار سواء أكانوا من بني جلدتهم أو من الغرباء الذين يجهلون مواقع أقدامهم في أراض لم يألفوا السير فيها ولا التعامل مع أهلها ولو للحظة من زمان ؟!!

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011