عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
حين يتخلى القادرون عن المواجهة
الوطن في 10/9/1427هـ - الموافق 2/10/2006 م

لــم يعد العالم صغيراً بما يكفي لأن يسيطر عليه أحد وإن تخيل أن بإمكانه أن يفعل ذلك، وفي الوقت نفسه بات هذا العالم صغيراً إلى الحد الذي يمكن مشاهدة حدث ما في وقت ما ومتابعة آثاره وعواقبه إلى الحد الذي يجعل بالإمكان السيطرة على الحدث أو الآثار أو البحث في وسائل تجعل من السهل معرفة ما يجري من جميع الأطراف ذات العلاقة.
تبـدو هذه التناقضات حاضرة في الذهن حين يتأمل المرء كيف أن أكاديمياً عريقاً وباحثاً محترفاً وقائداً دينياً علماً يلقي محاضرة في جامعة في بلد من البلدان المتقدمة ويحسب أن الحرية الفكرية أو الدينية تسمح له بالتجديف الذي يمارسه الجهلة وأنصاف المتعلمين والباحثين والمتدينين، ثم يصر على أن يفهمه الناس في تجديفه على نحو يكسبه احتراماً، بل ينتقد الذين استنكروا تجديفه ويرميهم بسوء الفهم.
والعالــم هذا الصغير الذي يواصل انكماشه كل يوم هو الذي أتاح للناس كلهم أن يروا البابا/الملك يستضيف سفراء العالمين العربي والإسلامي في مقره الصيفي وكأنه الأستاذ يلتقي بتلامذته أو الراعي برعيته أو الملك بالعاملين في بلاطه، كان يجلس في عرشه وعن يمينه وعن شماله رجلان من رجاله وقد اعتلى شيئاً يرفعه عن مستوى بقية الجالسين وكرر عليهم ما ذكره في موعظته السابقة من أسفه لسوء فهم المسلمين له وعاب عليهم سوء الفهم هذا.
وقـد نشر كلمته التي ألقاها ولم يكن فيها من جديد عن موعظته السابقة، ولم يزد على ترديد توبيخ مغلف باعتذار عن سوء الفهم لا أكثر، ثم يبدي المشهد السفراء وهم يتقاطرون للسلام عليه وشكره والثناء عليه لتكرمه بهذا الاستقبال الذي أراد به رفع رصيد علاقاته العامة وممارسة دور جديد أبعد من دور البابا.
ولـم تذكر الأنباء ولا المراسلون حتى اليوم ما الذي قاله السفراء قبل الكلمة أو بعدها ولم يخرج أحد يقول بأنه أنكر على الباب هذا الاعتذار الذي رمى به المسلمين ولم يجرؤ واحد منهم على أن يواجه البابا بأسلوب طلاب العلم في المدارس والجامعات حين يسألون أساتذتهم عن إشكالية المسألة أو يردون عليهم خطأهم حين يخطئون، وهذه مهمة يصلح أن يقوم بها السفراء وقد دعاهم إلى جنابه خاصة وأن القضية ليست ذات بعد دبلوماسي بروتوكولي ولكنها ذات عمق وجداني إيماني عقائدي لا تصلح فيها المجاملات والبروتوكولات بل الإيضاح والاستيضاح والبعد عن الغموض والرمي بالاتهامات أو اللجوء إلى المرويات الخالية من أي سند تحقيقاً للأمانة العلمية والنزاهة الدينية.
كــان حرياً بهم أن يستعدوا لهذا الملك، وأن يعدوا له العدة وأن يكون لقاءً يخرج البابا منه وقد ازداد إعجاباً بالمسلمين وسفرائهم أو أن يعيد شيئاً من احترامه لنفسه حين يجد من يحسن طرح الموضوع إنصافاً للحقيقة المفقودة وإظهاراً للباطل الذي استند عليه في الحديث عن الإسلام ونبيه ووحيه وجهاده، وهو أمر لا يكلف السفراء شيئاً سوى الاستعداد النفسي والعقلي والأدبي وهي أمور يتمتعون بالنصيب الوافر منها، كما أنها أمور جوهرية في موقف كهذا في وقت كهذا ومع قيادي كهذا.
أمــا حين يعجز هؤلاء وأمثالهم عن القيام بهذا الواجب النبيل فإن الأمر يصبح في أيدي غير القادرين وغير المؤهلين وغير المهيأين مما ينجم عنه بكل تأكيد إشكالات أشد خطراً مما لو تناول السفراء الموضوع، وحين يتناوله غير القادرين أو المهيأين فإنها الفوضى أو قريب منها وهي النواة الأولى لتناول العامة موضوعات لا يحسنون تناولها فيسهل تصنيفهم عندئذ بالتطرف أو التشدد أو حتى الإرهاب .
كــان من المفترض أن يعقد السفراء اجتماعاً تمهيداً أولياً بينهم ثم يدعون من علماء المسلمين من يثقون بعلمهم وإمكاناتهم وقدراتهم حتى ينضج الموضوع فيما بينهم ويشكرون البابا على فتح آفاق الحوار وأن الحديث عن الأديان الأخرى ومن شخصية أكاديمية قيادية مثله لا يصلح أن يتم بهذه الطريقة، ثم يسألونه ثانياً عن المصدر الذي استند إليه بخلاف تيودور خوري أو بالبحث عن مصدر خوري الذي استند هو إليه في بحثه، وحتى يصبح للبحث الأوجه الصحيحة للاستدلال فيجب أن يذكر اسم هذا العالم الفارسي وإجابته لأن الإجابة ــ إن صحت الرواية ــ قد تغني عن هذا السيل من الاعتذارات والاحتجاجات فربما أتى هذا العالم بإجابة تصب في صالح أي الطرفين.
فـإن لم يتم شيء من ذلك فقد يكتشف البابا ــ وربما قد اكتشف بالفعل ــ أن المناظرة لم تقم فعلاً وأن الرواية بشأنها غير صحيحة أو أن الحاكم البيزنطي نفسه لم يكن صادقاً في ادعاءاته بشأن هذه المناظرة, وأنه ربما اختلقها حتى يقيم لنفسه مجداً لدى البسطاء الذين يبحثون عن مثل هذه القصص يلقونها على مسامع أتباعهم ومريديهم خاصة وأن الفترة التي أشار إليها البابا لا تكاد تسمح لمثل هذا الأمر أن يتم نظراً للظروف المستحيلة في العلاقات بين الفرس والعثمانيين آنذاك من جهة وبين الخلفاء العثمانيين والقصر البيزنطي في اسطنبول والذي كان يرزح تحت بدايات الحصار الذي أفضى إلى سقوط المدينة في أيدي المسلمين.
إن قيام أصحاب الشأن بالواجب يقلل من خطر انزلاقات فكرية أو دينية أو سلوكية يمكن تلافيها بمبادرات جادة في كل نازلة من النوازل التي تمس كيان الأمة أو رجالها أو حياتها أو تاريخها أما إذا تخلى هؤلاء وتركوا الأمور لغيرهم فإن الجميع يدفع ثمن هذا التخلي، ويخسر المجتمع كثيراً من الفرص وتتحول إلى أعباء ومنازلات دامية.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011