عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
شهادة بلير
الوطن في 17/2/1431هـ - الموافق 1/2/2010 م

فـي تعليقه على شهادة بلير في أول تحقيق رسمي بشأن سبب إرساله (45) ألف جندي بريطاني للمشاركة في حرب العراق، قال أندرو موراي رئيس "ائتلاف أوقفوا الحرب" : إن السؤال الحقيقي الذي يحتاج توني بلير للإجابة عليه في النهاية سيكون في لاهاي وأمام محكمة لجرائم الحرب، مضيفاً وصفه لبلير بأنه ممثل بارع لكنني أعتقد أن معظم الناس يفهمون السيناريو منذ وقت طويل، على أن المشكلة هنا ليست في مدى فهم الناس للسيناريو أو على أي مدى من الزمن سوف يظل في الذاكرة، بل من الذي سوف يسعى إلى الدعوة لإقامة محكمة حرب يقف للاستجواب فيها بوش وبلير ؟!
لــم يكن بلير يقوى على مواجهة أولئك الذين تجمهروا خارج قاعة الملكة إليزابيث منذ الصباح الباكر يطلقون صيحاتهم ولافتاتهم، فاختار أن يأتي مبكراً جداً، وأن يدخل من باب جانبي متحاشياً استخدام المدخل الرئيسي للقاعة، ولم يكن قادراً على مواجهة ذوي الضحايا من الجنود البريطانيين الذين قتلوا في العراق والبالغ عددهم (179) جندياً، والذين استدعت اللجنة عدداً من ذويهم لحضور المساءلة فاختار أن يعطيهم ظهره، لكنه كان قادراً وبمهارة فائقة على استخدام أسلوب المناورة الكلامية وكأنه يمثل اللحظات التي كان يؤكد فيها أن أمام صدام حسين (45) دقيقة لشن حرب كيماوية على بريطانيا، في سعيه لاستدراج البريطانيين لقبول قراره بالمشاركة في شن الحرب.
قــال في شهادته بأن إيران في 2010م هي أشد خطراً من العراق حين إعلان الحرب عليه في عام 2003م، لكنه لم يقل أن العراق اليوم واقع إلى درجة كبيرة تحت تأثير النفوذ الإيراني، وأن الكثير من المرجعيات السياسية في العراق تتلقى تعليماتها من إيران، بل إن من الساسة الذين أقنعوا الولايات المتحدة بشن الحرب على العراق والذين يسعون في أن يكون لهم في الانتخابات القادمة موقعاً في سدة الحكم ستكون طهران محطتهم الأولى في مباشرة أعمالهم في قيادة العراق، ولولا أن إيران اليوم مشغولة بتوابع زلزال الانتخابات والثورة الخضراء وبداية محاكمات وإعدامات نالت من سطوتها لكانت أمور العراق في يد إيران إلى درجة لا تستطيع معها القوى التي احتلت العراق أن تقول كلمتها فيه.
هــذه الشهادة جاءت متأخرة جداً، لكنها تضيف إلى السجل الذي بدأته الصحافة الغربية وبالذات في مجال الكاريكاتير حين صورته على أنه التابع لبوش وليست مجرد التبعية بل أبعد من ذلك، إضافة إلى معارضي الحرب من داخل وخارج بريطانيا، ويبدو أن شهادة هذه اللجنة إنما هي توثيق دقيق يضاف إلى سجله المراوغ حيث سئل عن لقائه الصحفي الشهير في ديسمبر وقوله إنه كان على استعداد للإطاحة بالنظام، ومن الواضح أنه كان على يقين آنذاك بأن العراق لا يملك الأسلحة لكنها التبعية والالتزام بما ألزم به نفسه حين زار بوش في مزرعته من أن يكون شريكه في الحرب على العراق.
مــا الذي تضيفه شهادته أمام لجنة التحقيق في الحرب على العراق وأفغانستان؟ وما الذي تقدمه هذه الشهادة للمنطقة هنا وخاصة لأولئك الراغبين في إقامة دعوى أمام محكمة لاهاي ذات يوم؟ أو أولئك الذين يريدون أن يجنبوا بلادهم أخطار التدخلات الأجنبية أمام حجج واهية؟ حين يكون لأي تدخل المبرر هو السلوك الاستفزازي للحكام الذين لا يقيمون وزناً لشعوبهم أو لجيرانهم، لكنهم يخشون القوى العظمى لأنها تجد بغيتها في ممارساتهم لتدخل يعيد ترتيب الأوراق على النحو الذي يجعل منها ورقة في أيدي تلك القوى، هذا إن سارت الأمور كما أريد لها أن تسير عليه، وفي الغالب تكون هناك مؤثرات داخلية أو خارجية أخرى تخرج الخطط عن مسارها إلى مسار آخر خارج السيطرة فلا يبقى إلا الفوضى والاضطرابات .
صــدام كان واحداً من هؤلاء الاستفزازيين ومع أنه كان ذا أجندات شتى إلا أن التصرفات كانت فوق الاحتمال سواء حين يتصرف مع مخالفيه في الداخل أو مع جيرانه في الخارج، وهذا ما أعطى المبرر لأن يكون المحطة الأولى في الرد على اعتداءات سبتمبر، ومع أنه لم يكن في يوم من الأيام على صلة بالقاعدة أو بهذا النوع من الأعمال في الغرب إلا أنه كان الصيد الأسهل والأقرب خاصة وأن الواقعين تحت تأثير تل أبيب ظلوا خلال عقد التسعينات ــ عهد كلينتون ــ يضغطون من أجل الهجوم على العراق وحين لم يفلحوا كانت سبتمبر مبرراً جاهزاً وإن لم يكن مناسباً، هنا ما لم يكن بلير ولن يكون في أي يوم قادراً على أن يقدم دليلاً مقنعاً على سلامة قراره، ومن العجيب أن يعود إلى المنطقة ممثلاً للرباعية وهذه إشكالية أخرى تحتاج إما إلى تفسير أو إلى تبرير.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011