عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
بين الفاشية والشيطانية أو اللا إنسانية
الوطن في 25/8/1427هـ - الموافق 18/9/2006 م

عـدت كما يعود الأوفياء من الأصدقاء الذين لا يخلفون موعداً، ولا ينسون أحداً، عدت وفي أعماقنا ظمأ إليك وفي قلوبنا شوق إلى أيامك ولياليك، وفي حياتنا ذكرى لا يقف نبضها حتى تأنس بأنوارك وتسعد بحسن جوارك، وإن كنا في غمرة السعادة وخضم الحفاوة بالاستقبال نكاد نرى في عينيك ظلال عتاب لا يلوح إلا في عيون الكرام الذين تغنيهم الإشارة من العبارة والتلميح عن التصريح، لأنهم إنما يعاتبون الكرام الذين يدركون لغة الإشارة ويفهمون ما وراء اللمحة العابرة.
تُعاتبـنا أننا في عصر التقنيات وغزو الفضاء وسبر أغوار المحيطات وفي أجيال متلاحقة من الحاسبات التي لا تكاد تتوقف في السرعة وحجم العمليات عند حد، في هذا العصر نعجز عن الاتفاق عن الترحيب بك مجتمعين غير متفرقين ومتفقين غير مختلفين، ونحن في الوقت نفسه قد وجدنا من نجح في تحويل ارتفاع الشمس قيد رمح ووقت الزوال وأن يصير ظل كل شيء مثله أو مثليه ومغيب الشفق الأحمر إلى ساعات ودقائق نقيم بموجبها فريضة الصلاة، ووجدنا من نجح في تحديد موعد تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر إلى الليل حتى أصبحنا نضبط مواعيدنا على الساعة ولا نحتاج إلى مراقبين يتابعون الأفق في الصباح وفي المساء.
نعجــز عن استخدام تقنيات العصر وإنجازاته في الوقوف وقفة عمل مثمر عند "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، وعند آيات كثيرة يذكّرنا الله فيها بنعمة تعليمنا الحساب في السنين وفي تقلب الليل والنهار، وكأنك لست الفريضة التي نتعلم من خلالها الوحدة والحب والعطف والتآلف، وكأنك لست الركن الذي نستلهم فيه التقوى ونستشعر الصبر والشكر وكلاهما مقوّماً لحياة أمة لا يصح لها أن تتجزأ في الاحتفاء بك وضبط موعد اللقاء على أساس سليم.
ونكـاد نرى في عينيك عتاباً طويلاً وأنت ترى الصفوف الطويلة من البشر والحشود الطويلة من السيارات تتسابق إلى الأسواق في حالة أشبه ما تكون بحالة طوارئ أمام كارثة محتملة أو عدوان قريب قد يلزم الناس فيه بيوتهم ولا يستطيعون مغادرتها أمام حصار طويل، وكأن لسان حالك يقول أنا أتيت أعلمكم أن في الجوع حكمة وفي الحرمان رحمة وفي الامتناع عن الطعام والشراب دعوة إلى الإنفاق والبحث عن ذوي الحاجات من الجائعين والمحرومين والأرامل والأيتام ومن قعدت بهم ظروف الحياة عن الكسب المباح، ولم يدر بخلدك أن تقوم الاستعدادات في التموين إلى هذا الحد وأن تقوم الاستعدادات في جمع النفايات وبقايا الموائد الرمضانية إلى هذا الحد.
ونكـاد نقرأ في عينيك عتاباً وأنت ترى اللهفة المستحكمة بالكثيرين وهم يستعدون لموسم من اللهو والتسلية وإشعار الناس أنهم أمام أيام وليالي من النكد المتصل فتسعى وسائل إعلام إلى تهيئة أجواء من الضحك في دراما يعمل أصحابها طيلة عام كامل على إعدادها لهذا الشهر الذي يرون فيه ما يستحق أن تحشد له هذه الجيوش من الممثلين والممثلات والراقصين والراقصات والمغنين والمغنيات حتى يخف العناء ويذهب السأم ويشعر الصائمون القائمون أن الأمور إلى انفراج قريب وأن ما هي إلا أيام معدودات وتنقشع الغمة وتنفرج الأزمة ويصل الناس إلى بر الأمان ويستعيدون حياتهم التي حاول فيها هذا الوافد اختطافها منهم وإفسادها عليهم.
نكــاد نقرأ في عينيك عتاباً وأنت تشاهد الوجوه العابسة في النهار والأعصاب المتوترة والاستفزازات المستمرة وعدم الرغبة في عمل أي شيء أو إنجاز أي شيء أو القيام بأي شيء، فالشوارع تشكو زيادة الحوادث في أيام رمضان وخاصة مع قرب موعد الإفطار والموظفون يودون لو أن المراجعين حُبسوا في مكان بعيد والطلاب والطالبات يحلمون كل سنة بمكرمة سامية توقف عنهم إزعاج أيام رمضان والآباء والأمهات يسعون في تغذية الأحلام بالأمنيات والدعوات واسترضاء البنين والبنات بأنما هي أيام معدودات.
وينسـى الجميع بدر والفتح وما بعدها من أيامك الكبرى ومواسمك المشرقة المتألقة حتى يوم العبور الذي صادف يوم "كيبور" فلم تثن أيامك المباركات جنود العاشر من رمضان عن الاجتياح الذي كان ناجحاً والإنجاز الذي كان حاسماً، ولكن الإرادة عند ضعاف الإرادة تبحث عن مأمن تستتر فيه، بينما هي عند أصحابها الذين يحملونها إلى الآفاق العلى تستشعر فيك القرب من آفاق النصر والشهادة واستشراف مستقبل حياة أهل رمضان.
ونكــاد أخيراً نقرأ في عينيك عتاباً أكثر إيلاماً وأنت ترى الحال التي آلت إليها أمة القرآن والصيام والجهاد في أفغانستان والعراق وفلسطين والسودان وفي مناطق أخرى تعاني من إرهاب في صور شتى وتعجز عن الخروج إلى آفاق القرآن وإشراقات الصيام وميادين الجهاد بكل صوره وأشكاله، وتتمنى علينا أن نعرف أن العزة لا ينبغي لها إلا العمل على أن تكون حياتنا في هذه الأرض فوق كل متاع قريب ومكسب يؤول إلى خسارة، وأن الضعاف لا يملكون مكاناً بين الأقوياء، ولا لساناً بين المتكلمين ولا موقفاً حين تقوم التحديات وتستنفر القدرات، فهل ندرك من هذا العتاب ما يعين على ارتقاء فوق الشهوات وخروج من ذل الرغبات ؟!

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011