عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
قد يفلح مزيد من التفكير في عمل شيء
الوطن في 14/6/1427هـ - الموافق 10/7/2006 م

جــاءت الفوائض البترولية في زمن يمور بمتغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية، فحرك نوازع شتى في نفوس شتى، وفتح أبواباً للإبداع في الإنفاق وأشعل مضاربات ما كان لها أن تصل في آثارها ونتائجها إلى قليل مما وصلت إليه لولا الصعود الكبير لأسعار النفط.
والنفــط كما ينبغي أن نتذكر مورد غير متجدد وإنما ينتهي إلى نضوب وما لم تثمر الدراسات التي نسمع عنها كل يوم منتجاً بديلاً فقد يضطر الناس إلى العودة إلى أساليب الحياة الأولى، وعندئذ قد يطيب لهم أمام العوز والضرورة الاستمتاع بهذه الأساليب التي سوف تساعدهم حتماً على ممارسة ما عجزوا عن ممارسته أمام ترف العصر وقد تتقلص كثير من المطالب لتقتصر على تلبية الاحتياجات الأساسية التي كانت هي ذاتها ترف أجدانا في أحد العصور السالفة حجرية كانت أو خشبية.
وقــد تبدو المقارنة بين ترف وترف أمراً نسبياً نراه اليوم بين من يعيش في الريف ومن يعيش في المدينة وبين من يعيش في أحد الأحياء الراقية ومن يعيش في أحد الأحياء المتواضعة وبين شعوب الدول الصناعية وشعوب في دول العالم الثالث، إنها النسبية التي تقيم فوارقها على أساس الممكن في الرغبات والممكن في الضروريات وشتان بين الرغبة والضرورة والحاجة والأمنية.
وقــد ينطبق هذا القياس على قاطني المدن الاقتصادية التي تسعى الهيئة العليا للاستثمار إلى زراعتها في أنحاء من بلادنا وبين قاطني المدن التقليدية الذين تضيق ببعضهم الظروف إلى الدرجة التي لا يجدون فيها الماء إلا بشق الأنفس ويجهدون أنفسهم في التعايش مع غياب الصرف الصحي وانقطاع التيار الكهربائي وما يكتنف الشوارع المعبدة من مرتفعات ومنخفضات توهم قائد السيارة أنه في أحد الطرق البرية لولا ما يلوح له على جانبي الطريق من عمارات ولوحات إعلانات.
هــذه المدن التقليدية جديرة بالنظر إليها بعين العطف والعدل والرحمة لأنها آوت أفئدة من المواطنين عقوداً طويلة واحتضنتهم بكل صبر وحدب وأعانت كثيرين على التفوق في مدارسهم وأعمالهم حتى استطاعوا أن يقدموا إنجازات فيها ما فيها من الإتقان والإبداع بالرغم مما يثير فيهم الأسى حينما يرون آخرين ينخرون في كيان البنية التحتية لهذه المدن بالنهب والسلب وتأخير التنفيذ وتبديد الميزانيات أو عدم توظيفها التوظيف السليم مما آلت الأمور معه إلى ما نراه من تخلف في مجالات كثيرة ما كان لها أن تكون لو أن كل واحد ألزم ضميره طهر العفة وعفاف الالتزام.
الموازنـات الفلكية للمدن الاقتصادية الوليدة على حساب البنى التحتية لمدن هي العمود الفقري للبلاد يتطلب وقفة متأنية تعين على شيء من الفهم أو الاستيضاح، ذلك أن الاستقرار الاقتصادي إنما يعتمد على شعور المواطن بتوفر ما يحتاج إليه من ضروريات الحياة وإلا غدت الأمور خارج السياق، وأصبح السباق نحو بناء مدينتين في كل بقعة، مدعاة لمخاطر شتى، وقد تؤول إلى ما يشبه مدن أشباح فلا الجديدة تغني بزخرفها وترفها عن مواطن الذكريات ولا مواطن الذكريات كافية لتحمل النقص أو انعدام الخدمات الأساسية.
لمـاذا لا تنشأ أحياء مالية وأحياء تقنية وأحياء صناعية وأحياء ترفيهية في المدن القائمة أو قريباً منها بحيث تسهم في تعزيز الخدمات الأساسية لها إلى جانب تحقيق الاستثمارات التي يجد القائمون على هذه القطاعات حاجة إليها، ولماذا لا تكون هناك لفتات من القائمين على فرص الاستثمار إلى هذه الحاجات الضرورية لعل طول التفكير البنّاء يسهم في الوصول إلى رؤى تصنع الحلول وتقدم البدائل.
ثـم لماذا لا يقتصر الأمر في مثل هذه القضايا بالنسبة للهيئة العليا علي طرح المشروعات وإتاحة الفرص للراغبين في المشاركة فيها، وتترك أمر التنفيذ والتطوير والإدارة لهيئات أخرى حتى تأخذ الشفافية طريقها، ويتحقق للاستقلالية القدر اللازم من الإطمئنان إلى أن الرقابة تجد لها مجالاً نقياً تعمل فيه وتزدهر في فضائه الذي لا تكثر فيه الصناديق السوداء .
وقـد يناسب في ظل تنامي الفوائض الحديث عن تقرير أُعد لدولة مجاورة من فريق عمل من جامعتين من أفضل الجامعات الأمريكية في نهاية الثمانينات لبحث أفضل السبل في استثمار يحقق عائداً لا ينضب وخلص التقرير بعد مجموعة من المقارنات والتحليلات إلى أن العنصر الذي يحقق أفضل عائد للمستقبل البعيد هو الإنسان وأن الاستثمار فيه هو الأسلوب الوحيد المضمون وأعطى أمثلة لدول لا تتوفر فيها موارد طبيعية ولا مواد أولية فأولت اهتماماتها بالإنسان ومنها اليابان وسنغافورة وتايوان وكوريا الجنوبية، إلا أن اجتياح ذلك البلد من أخ أكبر حال حينذاك ــ فيما يبدو ــ دون الاستفادة من شيء مما في التقرير !!
كمــا أن حديثاً آخر مع صديق من بلد مجاور ذكر فيه أنه بالرغم من سوء أوضاع بلده الاقتصادية إلا أن قريتهم تنعم بصرف صحي جيد وبشبكة مياة نظيفة، ويطيب أحياناً للكاتب الساخر خالد القشطيني أن يشير إلى أنه يستطيع الحكم على الاستقرار السياسي والاقتصادي من خلال النظر إلى توفر شبكة جيدة للصرف الصحي وأورد في مقاله في صحيفة الشرق الأوسط أكثر من نموذج في أوروبا وفي المنطقة العربية.
هــل يطيب لسكان المدن التقليدية في المملكة أن يحلموا بشيء من الاهتمام بالخدمات الأساسية قبــل أن يفكـــروا بالانتقــال إلى المــدن الحديثــة ــ الاقتصادية ... هرباً من انهيار وشيك !! .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011