عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
أخلاقيات جنود في حرب غير أخلاقية
الوطن في 9/5/1427هـ - الموافق 5/6/2006 م

وللحريـة الحمراء باب
بكل يد مضرجة يدق
كــان هـذا ما يريد شوقي أن يعبر به عن حرية لا تأتي إلا بالدماء ولا تنتزع إلا بالقوة ولا تستوهب إلا بالأرواح، أما اليوم وقد سقطت الأبواب في بغداد وانتشرت الجثث في كل شارع وأصبح الدم يغطي الساحات والمساجد والأحياء فإن من المناسب البحث عن شاعر يتغنى بالديموقراطية التي يحصد الجيش الأمريكي الناس من أجلها.
والحريــة التي تنتزع انتزاعاً شأنها شأن الديموقراطية التي تنتزع هي أيضاً، لأنها حقوق إنسانية أصيلة لا تقوم الحياة إلا بهما إلى جانب قيم وحقوق أخرى ضرورية لحياة إنسانية متوازنة كريمة، أما أن يأتي من ينتزع الحريات من الناس ليفرض عليهم ديموقراطية فذلك الابتزاز السافر، بل هو الاحتلال الذي لا يحقق ديموقراطية ولا يمنح حريات، وهذه هي دعاوى الاستعمار في تاريخه الطويل ولكن لم يكن طويل لسان كما نراه اليوم.
يريـدون اليوم أن يعلموا جنودهم كيف يكونون أخلاقيين فلا يقتلون رجلاً أعزل ولا امرأة ولا طفلاً، وتلك هي المهمة المستحيلة ذلك أن هذه الأمور لا تحتاج إلى دروس ولا إلى محاضرات فهي في ضمائر الأسوياء من البشر، وهي مستحيلة أيضاً لأن هؤلاء الجنود يعلمون علم اليقين أنهم جنود في حرب غير أخلاقية من لحظتها الأولى فكيف يأتي من يقول لهم بعد أربع سنوات من القتل والقصف والترويع والتنكيل "كونوا أخلاقيين" !!
هـؤلاء الجنود الذين يراد لهم أن يكونوا أخلاقيين يعلمون جيداً أن أكثرهم لا يملكون إلا أن يأتوا إلى العراق وأن كثيرين غيرهم لا يمكن أن يأتوا إلى العراق لأن لديهم حصانة من نوع ما، كما أن أكثر هؤلاء الجنود يعلمون أنهم يحتلون بلداً كان قبل مجيئهم أكثر أمناً وأكثر وحدة وأكثر سلاماً وأكثر اطمئناناً وأن الدكتاتورية على كل ما فيها من سوء أرحم من احتلال الديموقراطية على كل ما فيه من مزاعم خير، ويعلمون أيضاً أن إدارة حكومتهم لم تُصدق في أكثر رواياتها.
اصطنعــت الأدلة ولفّقت الأكاذيب حتى توجد مبرراً مقبولاً عند شعبها وعند العالم كي تبدأ الحرب، ثم تبين أن كل الدعاوى كانت باطلة واستخدمت في الحرب من الأسلحة ما يعتبر محرماً في الأعراف الدولية ثم ارتكبت من الجرائم والمخالفات في الشوارع وفي المنازل وفي المعتقلات ما كشف عن تجاوزات غير مقبولة من قوات موغلة في الهمجية والنزق، وكانت في كل مرة تلفق ما تستر به سوءات أفعالها.
وبالرغــم من أنه لا يكاد يمر أسبوع واحد دون أن تعلن فضيحة من وزن وحجم فضائح القائم وأبو غريب والفلوجة وحديثة والإسحاقي وكثير غيرها فإن الإدارة الأمريكية تخترع كل يوم من الحيل ما ترقع به ما تقترفه، وكان آخر هذه الاختراعات الدروس الأخلاقية لمشاة البحرية في التعامل مع العراقيين وعدم قتل الأطفال والنساء، في الوقت الذي تُنكر فيه وزارة الدفاع روايات تبثها وكالات أنباء أو قنوات غربية لبلدانها قواتٌ في التحالف.
والغريــب أن هذه المخالفات كانت تخرج من مصادر غربية وليست عراقية أو عربية، ومع ذلك يجنح البنتاجون والإدارة إلى التكذيب والتشكيك بالرغم من وجود الأدلة وقيام البراهين ويبلغ الأمر بها إلى أن تُعلّم الجنود ــ كما جاء في رواية أحد الفارين منهم من الخدمة ــ أن يضعوا إلى جانب الجثة التي يقتلونها سلاح رشاش من طراز AK-47 حتى يبدو أنها جثة إرهابي وأن القتل كان للدفاع عن النفس.
أيـــن الدفاع عن النفس في الإسحاقي التي قُتل فيها الأطفال والنساء والرجال في غرف نومهم وكذلك في حديثة حيث كان الرجال أو الناس يُقتَلون داخل خزانات الملابس والصبية من البنين والبنات في فرش نومهم، وأين الدفاع عن النفس في قتل امرأة حامل في سامراء وهي في طريقها إلى المستشفى للولادة ومعها إحدى قريباتها.
إن لم يكن هذا هو الإرهاب في أوضح صوره يمارسه جيش بكامله تحت مُسمّيات "الصدمة والترويع" و "زهرة الخريف" وما أحاط بها من أسماء في هجمات تُهدم فيها البيوت على ساكينها والشوارع على عابريها، وإن لم يكن هذا هو الإرهاب في اقتحام بيوت الناس النائمين الباحثين عن راحة أو سلام وقتلهم في فرش نومهم، وإن لم يكن هذا هو الإرهاب في قتل من يخطو على قدمين رجلاً أعزل أو إمرأة أو طفلاً، فما هو الإرهاب إذن ؟؟
وقــد يحلو للإدارة الأمريكية وأركانها أن يقارنوا بين جرائمهم وجرائم صدام أو جرائم الزرقاوي ليبينوا أن جرائمهم أقل، وهي مقارنة تأتي في سياقها الصحيح فلا فرق بين ديكتاتورية صدام وطغيانه وإرهاب الزرقاوي من جهة وبين ما يمارسه جنود الاحتلال من قتل وإزهاق لأرواح الأبرياء وهدم وتفجير المنازل والمساجد وتعذيب وترويع السجناء وإن اختلفت الغايات بين إرهاب وإرهاب.
إن أقصى ما تطمح الإدارة الأمريكية من هذه الأخلاقيات هو مساعدتها في تحقيق أكبر قدر من التستر والتغطية وتقليص حجم الأدلة والسعي في أن يكون القتل أو الهدم ضمن ما تطلق عليه القوات الأمريكية "المعايير الميدانية" أو أي مسمى آخر يسمح بتبرير لا يقبله إلا البنتاجون والبيت الأبيض فقط !!!

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011