عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
جامعة الفيصل نموذج الحلم
الوطن في 2/5/1427هـ - الموافق 29/5/2006 م

كـم وددت لو أن العالم البريطاني جون بروكفيلد الذي أفنى جزءاً من عمره للبحث عن حل للغز أيهما أسبق البيضة أم الدجاجة حتى وصل إلى أن الأسبق هي البيضة، قد صرف هذا الجزء من عمره للبحث في لغزنا الكبير هنا أيهما أسبق التعليم أم الفرصة الوظيفية، فقد تأتي الفرصة سانحة لكن التعليم لا يؤهل الكثيرين للعمل، وقد يحمل الشخص المؤهل فلا يجد الفرصة المناسبة.
هــذا التداعي بين معاني الأسبق في البيضة والدجاجة والتعليم والوظيفة ربما جاء في الوقت المناسب ذلك أن الخوف من الدجاج وما وراءه يكاد يقترب من البطالة وما وراءها، فالتعليم الذي لا ينتج الكفاءة التي تبحث عن الفرصة مخيف، وكذلك الفرصة التي لا تجد من يقوم عليها، كما أن التنمية الاقتصادية التي لا تنتج فرص عمل ولا تعد الشباب والفتيات لإدارتها والإسهام فيها هي الردة عن التنمية وليست من التنمية في شيء.
حيــن استمعت وزملاء لي في الشركة إلى مندوب جامعة الفيصل وهو يشرح فلسفة الجامعة واستراتيجيتها شعرت بأنني أود أن أحلم حلماً ينقلني عشرات السنين إلى الأمام، بعد أن رأيت الواقع الذي تشكل عبر عشرات السنين من قبل، فلم ينتج الواقع إلا الكوابيس والقلق والمعاناة ولم يحقق شيئاً من الأحلام التي يلجأ إليها الباحثون عن مهرب من آلام الواقع.
تذكــرت أن الهند أنشأت في نهاية الخمسينيات معهداً للتكنولوجيا بمساعدة من اليونسكو، وهي فترة ليست بعيدة عن إنشاء كلية للهندسة في جامعة الرياض آنذاك بمساعدة من نفس الهيئة، ونظرت إلى ما آل إليه حال المؤسستين التعليميتين، أين هو "المعهد الهندي للتكنولوجيا" هناك من كلية الهندسة هنا، لا أملك من الإجابة إلا ما يملكه الذين لا يحسنون إلا المقارنات.
وقــد تقودنا المقارنات إلى كليات وجامعات أنشئت في العشرين أو الثلاثين سنة الأخيرة في مناطق مختلفة من العالم، وينظر المرء في المستوى الأكاديمي والمكانة العلمية والقدرة على تخريج كفاءات متميزة تستطيع أن تقوم بما لا يمكن لغير خريجيها القيام به، ذلك أن العزيمة ووضوح الهدف والحرص على الوصول إليه، والنظر إلى الذين استطاعوا أن يتفوقوا وكيف تفوقوا إنما هي مقدمات لنتائج.
القائمــون على الفيصليات أبدعوا في مجالات شتى سواء في المؤسسة الخيرية أو في المدارس أو الفنادق أو الجائزة العالمية أو المجمعات السكنية والتجارية أو مركز الأبحاث والدراسات، وهذا الإبداع هو إرهاص أقرب إلى يقين بأن "جامعة الفيصل" لن تكون بدعاً في هذا الشأن بل ستحظى بنفس القدر من الإبداع وحسن الإعداد وحسن القيام على مقومات النجاح والإتقان.
ربمــا يتحقق في هذه الجامعة النموذج الذي تفتقر إليه جامعاتنا في أن تكون الجامعة المحضن الذي يتلقى خريجي التعليم العام ــ بكل ما فيه ــ ليعيد الصياغة والتكوين ليخرجوا إلى الحياة العامة وهم قادرون على إنتاج لا يقدر عليه إلا من صهرته تجربة التعليم الناضج، وإتقان لا يصدر إلا عمن تشرّب الإتقان واكتسبه وتعلم كيف يتفنن الناس فيه وكيف يتجرعه حتى يغدو بالنسبة له شيئاً مستطاباً، بل عادة لا تنفك عنه ولا ينفك عنها.
الجامعــة هي الكتاب والمعمل وقاعة الدراسة والأستاذ والبحث العلمي والمكتبة وفريق الدراسة والمجتمع الذي يمارس فيه الطالب الجامعي شيئاً مما يتعلمه إلى جانب النشاط غير الدراسي والذي يسهم في بناء شخصية الطالب من رياضة وفنون ورحلات وزيارات للإطلاع أو للدراسة والاتصال، إن الجامعة هي العالم الذي يصنع طالب الجامعة حتى يكون كونياً في إنسانيته وإنسانياً في تحركه وسكونه، وما لم يتوفر هذا الفهم لدى قادة الجامعة أي جامعة، فسوف لن تعدو أن تكون مؤسسة تعليم عام.
وحيــن تضاف جامعة الفيصل إلى التعليم العالي في المملكة فإنما تأتي ــ فيما يرجو الحالمون ــ لتقدم النموذج الذي يجبر الغيورين من القائمين على الجامعات الآن أو الذين يرغبون في الدخول مستثمرين في حقل التعليم العالي على أن يتفحصوا جيداً كيف تقدم هذه الخدمة من التعليم في تكاملها وفي تفوقها وفي إتقانها وفي عالميتها حتى يكون لدينا ذات يوم ليس ببعيد واحدة أو أكثر من الجامعات المرموقة في العالم: واحدة من أعلى عشرين أو ثلاثين أو خمسين جامعة في العالم.
وحينــئذ نجد الكثير من الطلاب والطالبات في دول كثيرة يتقدمون بطلبات التحاق للجامعة التي تعد واحدة من أفضل الجامعات في العالم، ونستقبل في المملكة الطلاب الباحثين عن تعليم راق متفوق، وكما أن الطالب في الهند يحجز مقعداً في إحدى الجامعات المرموقة في أمريكا ليضمن مقعداً فيها إذا لم يتم قبوله في "المعهد الهندي للتكنولوجيا" فقد لا يكون بعيداً أن يصبح القبول هنا أيضاً حلماً يراود الكثيرين ليس لمجرد الحصول على مقعد دراسي بل للحصول على فرصة تعليمية استثنائية.
وأخيــراً والجامعة تمارس أعمالها في قصر الفيصل يرحمه الله فقد تكون نموذجاً آخر لجامعات تقام في قصور هجرها أصحابها إلى غيرها أو رحلوا عنها إلى خير منها بإذن الله، فتتحول كثير من القصور إلى جامعات في بلد هو في أمس الحاجة إلى ما لا يقل عن مائة جامعة تسهم في بناء أسس التنمية وإدارة دفة التنمية، ويستعيد كثير من طلاب كلية التجارة في جامعة الرياض حين درسوا في أحد القصور مع زملائهم في كلية الزراعة ثم انتقلوا إلى قصر آخر حين زاد العدد.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011