عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
الضفة والقطاع وإرهاصات شعب عامر
الوطن في 19/3/1427هـ - الموافق 17/4/2006 م

هــذا التاريخ كتاب مفتوح يقرأ الناس فيه فصولاً يتكرر بعضها وقد لا يتكرر البعض، وقد تكون الإثارة أكثر في الفصول المتكررة لأن فيها عمق التجربة الإنسانية وفيها ثراء المعاناة في جانب والدروس المستقاة في جانب آخر، إنها أشبه بالنبع الذي لا ينضب ولكنه يغيض ثم يفيض ثم يعاود الكرة بين هذا وذاك حتى يظل الناس قريبين منه يحومون حوله حتى لا يقضي عليهم العطش ويهلكهم الحرمان.
والتاريــخ لا يكاد يعيد نفسه إلا في الأمور الكبيرة التي تستحق أن يطل فيها برأسه ويحدث الناس بما كان لعل بينهم من يستلهم العبرة ويأخذ الدرس ويصل إلى نتيجة، وهو بذلك يقوم شاهداً على أن الأحياء هم الذين لا يغفلون عنه بل يرجعون إليه كل يوم حتى لا تتكرر أخطاء ارتكبها آخرون أو حتى تتكرر مواقف النبل والعظمة التي وقفها آخرون وفي كل ذلك ما يلهم ويفيد.
وقــف رئيس الوزراء الفلسطيني في الجمعة الأخيرة يعلن للعالم أجمع أنهم على استعداد أن يعيشوا على الزعتر والزيتون والملح ولا يحنون هاماتهم لغير الله، وكان القارئ للتاريخ يرى حالاً كهذه فيستحضر حال المحاصرين في شعب عامر وقد منعت عنهم قريش كل أسباب الحياة وحالت بينهم وبين سبيل إنقاذ إما بخروج من حصار أو إدخال ما تجود به نفوس ذوي الغيرة والشهامة.


واليــوم وُضِعَ الفلسطينيون في المأزق نفسه أمام جبابرة العصر وقريش الأرض، حيث أصدرت الإدارة المتطرفة المتغطرسة في الولايات المتحدة قرارها بتجويع الفلسطينيين ومحاصرتهم وإذلالهم وجرهم إلى البلاء جراً، وإجبارهم على الخضوع للإذلال الإسرائيلي، ويعرف الخاضعون للجبروت ما ينتظرهم إن هم خالفوا وناصروا المحاصرين في الضفة والقطاع.
ومــن النكاية أن تصعد إسرائيل من أعمالها العسكرية والقمعية ضد الفلسطينيين ويوشك مجلس الأمن أن يتخذ قراراً يعترض فيه على هذا التصعيد، وهو قرار من ورق ليس غير لا يقدم ولا يؤخر، ولكن الإدارة المتطرفة على لسان مندوبها الذي يقطر حقداً ويتصبب تطرفاً يصر على عدم اتخاذ هذا القرار وإلا مارست حكومته حق النقض (الفيتو)، ومن يجرؤ حينئذ على اعتراض !!
هــذه الإدارة المتطرفة سحقت العراقيين والأفغان سحقاً حتى تمكن للديموقراطية واتخاذ القرار الشعبي واختيار من يرضى به الناس، وأرسلت ما أرسلت من قاذفات وقنابل وصواريخ وجيوش وحشد أممي حتى تنشر الديموقراطية التي يمارس الناس عبر صناديق الاقتراع خيارهم ويتخذون قرارهم بكل حرية، وها هي نفسها تحارب الفلسطينيين وتجوعهم وتحاصرهم وتكاد تقضي عليهم لأنهم مارسوا الديموقراطية وبامتياز شهدت به الدنيا كلها، وعجزت عن مثله إدارة التطرف التي تحكم الولايات المتحدة الآن، ولأنهم فئة تؤمن بالله وبعدالة قضية شعبها وبحقه في تقرير مصيره ولأنهم أولاً وقبل كل شيء فئة تنتمي إلى شعب لا تقبله إسرائيل.
ومــن النكاية أيضاً هذا الإذلال الذي تمارسه الجامعة العربية ودول عربية بحق الفلسطينيين، فلم تلتزم الجامعة بالدعم الشهري المقرر، ويرفض وزير خارجية دولة عربية استقبال وزير الخارجية الفلسطيني ويسعى ربما في الاحتفاء بنظيره الإسرائيلي ويعلن بأن ذلك ليس عن ضغوط تلقاها من أحد وهو يطبق المثل الشائع: "كاد المريب أن يقول خذوني" .
هــذا التاريخ الذي يعيد مأساة شعب عامر في الضفة والقطاع يلهم كل ذي دين وإيمان وضمير أن يمارس دينه بكل حرية وأن يصدق في إيمانه بكل نبل وأن يهيء لضميره فرصة يقظة لا يقدر عليه فيها الأشرار والصغار، على كل من يعرف أن المتغطرسين هم بشر ضعاف أن يفقأ أعينهم بالنيل منهم في نشر الخير وبذل المعروف وإغاثة الملهوف، وليس أشد حاجة إلى كل هذا من الفلسطينيين اليوم تحت هذا الحصار الذي يشارك فيه كل من تخلف عن النصرة والمساعدة.
إنــه الموقف الذي يحسم الإنسان فيه أمره في شأن جوهري يمس إنسانيته ودينه وعقيدته وحريته فلا يجعلها نهبا لذئاب الضلال وكلاب الاستغلال، وإذا كان هذا الشعب يعيش اليوم بأقل من دولارين للفرد في اليوم وهو رقم مبالغ فيه بكثير لأن الغالبية منهم لا تملك الفلس ولا الهللة، فإن المساعدة تغدو واجبة والإغاثة تصبح حقاً لهم في أعناق الذين يحسبون أنهم مسلمون أسلموا أمرهم لله وليس لأمريكا وإسرائيل.
لــم يعد من سبيل إلا إدخال المعونات إلى المحاصرين، ولن يعدم المخلص الوسيلة ولن يغلب صاحب الحق في الوصول إلى حقه في إنقاذ إخوان وأخوات له في أرض الإسراء أرض الرباط، وليس لأحد على النطاق الشعبي من عذر في تخلف، لأن الرسميات لها حساباتها ولها مواقفها، أما الذين يبحثون عن أرباح مع ربهم فلا عذر لهم.
إنــه موقف صعب يحتاج إلى ذوي القيم التي لا تحكمها الحسابات الخاسرة والمواقف الخاسرة.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011