عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
هذا الاقتتال المقيت
الوطن في 27/2/1427هـ - الموافق 27/3/2006 م

لا يكاد روض يخلو من تنوع ألوان وتباين أغصان واختلاف ثمار، مع أن الماء واحد والتربة واحدة وفي ذلك حكمة قلما يلتفت إليها كثيرون، وقد تغطي السحب الشمس الساطعة وتنهمر الأمطار فتنعم بالخير الأرض وتعود السماء للابتسام ويصاحب ابتسامها ألوان طيفية يستمتع بمشاهدتها الصغار والكبار، وفي الصحراء وكثبانها وألوانها وعالمها مجال لمتأمل أو صاحب نظر بعيد.
وفـي البشــر ما في الطبيعة من تنوع وتباين قد يصل إلى التناقض والتصادم وقد يقتصر على التضاد والتناغم، ومن الحكمة بل من المصلحة أن يتأمل العاقل في هذه الأمور جميعها حتى يقيم لنفسه ولمجتمعه وللجنس البشري أسلوباً من التعايش يسهم بشكل فعّال ومؤثر في حياة تهدف إلى غاية سامية أبسط مقوماتها الاحترام وأقصى درجاتها الحب الموصل إلى رضا الله وتحقيق هذه الغاية في حياة الناس والكائنات جميعها.
لكــن الذي يشاهد مجريات أحداث عالم اليوم يجد الفرقة تستنبت الفرقة، ولا تكاد توجد وحدة إلا للتربص بطرف آخر، وقل أن يجد الإنسان من يسعون في مصلحة التوفيق بين بني البشر، ذلك أن للمصالح أطرافاً لا يسعدهم إلا التناحر والتمزق حتى يظفروا بطرائدهم وقد أنهكها التعب ومزقها التناحر الذي نصب أصحاب المصالح له أحابيلهم، ولم يعد لكثير من المنظمات الدولية والإقليمية من هم إلا ملاحقة حرائق تنشب هنا وهناك بحيث تشتعل الواحدة منها على رماد الأخرى وركامها .


وإذا كان لكثير من النزاعات والمصادمات والملاسنات مؤججون ظاهرون ومستترون فإن بعضها تنشب وتخفت وتشب وتخبو وأنت لا تكاد تعرف قضية الاختلاف ولا تكاد تقع على صاحب المصلحة في النزاع ولا تكاد تفهم على أي شيء يختلف أطراف النزاع وعلى أي شيء يتفقون، وإنما هي إما الرغبة في التنفيس أو التقليد أو الظهور أو التعويض عن إحباطات أخرى، وإلا فالأمر أهون بكثير من صراخ الصارخين وسبّابات الموبخين لو رجع كل طرف إلى أساسيات أولية في التفكير وفي الحوار وفي النظر إلى الآخرين.
الـذي يؤلم كثيراً هذا النسق من التلاسن إما على المنتديات أو على الفضائيات وقل أن تجد شيئاً من ذلك على الصفحات، ذلك أن الأولى من هذه الوسائل تناسب أصحاب "الهواجيس" والقابعين من وراء شاشات كالملازمين للأوكار لا يعرف عنهم أحد ولا يسمع منهم أحد ولا يمكن الوصول إليهم إلا من وراء حجب، أما الثانية فهي لأولئك الأضوائيين الذين يحبون أن يحمدوا بكثرة المشاهدين وبريق المصابيح ونشوة الاستفزاز.
هــذه الوسائل فتحت باباً واسعاً لمن يريدون أن يتشاغبوا على الملأ، وإلا فإن الفرصة سانحة في عرض جميل لأفكار يعدها صاحبها ويطرحها لنقاش يحكمه المنطق وتغلب عليه الحكمة ويعرف الناس منه أن هنالك جوانب من حياتهم يناقشها أصحاب اختصاص أو أصحاب اهتمام، فيطمئنون ويشاركون وهم على ثقة بان في الأمر مصلحة، أو يكون هناك حوار جاد فيه من الاحترام والشفافية والتقدير والحرص على نتائج ذات منافع عامة، وإلا فمن السهل أن يختار المشاهدة مباراة ملاكمة بالأيدي والعضلات كما يشاهد مباراة ملاكمة بالألسن والكلمات.
العــدو اليوم لم يعد متربصاً بل مترصداً، ولم يعد يراقب من هناك بل من هنا، مما يستلزم توحيد الطاقات وحشد الإمكانات ومعرفة جوانب القوة والبناء عليها ومعرفة جوانب الضعف ومعالجتها، والحرص على وحدة الصف وبناء الثقة وتوحيد الجهود لأن ما لحق بمن قبلنا قد يلحق بنا إن لم يكن هناك جبهة داخلية محكمة، وإن لم يكن هناك بنيان مرصوص متين وإن لم تكن هناك نفوس تغمرها الثقة بالله أولاً ثم ببعضها ثانياً ورغبة صادقة في الاهتمام بجيل تحيق به مغريات ومنزلقات لا أول لها ولا آخر. من أين جاء هؤلاء بهذه المصطلحات التي كثيراً ما كان يرددها آخرون حتى إذا أرهقتهم صراعاتهم وجدوا أن البديل المناسب هو التفاهم والتصالح والتقارب والتكاتف، وهي مصطلحات تفتك بالبناء الواحد متى خرجت في السياق الذي يلبسه إياها المنازع في الفضائيات والمنتديات، ولولا أنها أصبحت الصنعة الغالبة لكثيرين لما أوجدت هذا الموج من مقالات المنتديات وهذه المساحات الواسعة التي أفردتها الفضائيات حتى زحمت علينا آفاقنا.
ليــس غريباً أن تقرأ عن العلمانية أو الليبرالية أو التكفيرية أو التطرف إلى آخر القائمة لكن الغريب جداً أن ترى أحدهم يمد سبابته إلى محاور لا يفصله عنه إلا سنتيمترات ليصنفه بكل برود وبساطة قائلاً "هذا والذين من ورائه هم أصحاب الفكر ............"، وهو منزلق خطير في أدبيات الحوار والجلاء والبيان الذي يحتاج الناس إليه في حياتهم ومتى ارتقت النفوس ارتقت اللغة، ومتى سمت العقول سمت العبارة، ومتى صفت القلوب صفت الفضائيات والمنتديات من حولنا، وأصبحنا نتنفس فضاءات حرية الكلمة غير المقيدة بقيود الاتهام والتخوين والتخويف والترهيب.
ربمــا كانت المصلحة الكبرى تقتضي أن يبذل هؤلاء جهداً أكبر في ترويض نفوسهم حتى تكون أكثر تسامحاً، وفي تجميل عباراتهم حتى تكون أقل عدوانية وفي التخفيف من التلويح بالسبابات والأكف، والسعي إلى توظيف هذا التباين ليخدم قضية الوطن الواحد والرسالة الواحدة.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011