عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
من طاش ما طاش الى هيئة سوق المال
الوطن في 20/2/1427هـ - الموافق 20/3/2006 م

أفـرزت أحداث خمس سنوات مضت متغيراتٍ كبرى في النفوس والجيوب وفي الادخار والاستثمار وفي السياسة والاجتماع كفيلة بأن تفتح مجالات واسعة لباحثين في مجالات مختلفة لدراسة الآثار الناجمة عنها في الحاضر والمستقبل مع أن المستقبل هنا أهم، وقد قامت هيئات ذات شأن عالمي بشيء من ذلك وهي جديرة بالاطلاع عليها والاستفادة منها.
ومــن أهم ما نحن بصدده هنا المتغيرات في مجالات الاستثمار حيث أدت الطفرة البترولية والحد من منافذ الاستثمار الغربية والأمريكية تحديداً نتيجة التخوف والقيود والملاحقات إلى انتشار عدوى البحث عن الفرص السريعة، وهي كالحمى التي تحاصرنا هذه الأيام وتتنقل في يسر وأمان تحت مظلة تطمينات المسؤولين ذوي الاختصاص وغير ذوي الاختصاص منها الدقيق وأكثرها غير دقيق .
حمـى الثراء تنهش الوجدان وتطغى على التفكير وتحاصر الحواس حتى يصبح الإنسان أمامها عاجزاً عن القدرة على الحركة أو التفكير أو التفاعل حين يقدم على تصرف يحسب أن وراءه ثراء عظيماً، وكما ينقل البعوض والذباب والحشرات الميكروبات المسببة للحمى، فإن وسطاء من أسموهم الهوامير يمارسون دور البعوض والذباب والحشرات في نقل ميكروبات الثراء السريع فيحيكون القصص والأساطير وينسجون الروايات والحكايات ويمارسون أساليب التنويم المغناطيسي وغير المغناطيسي حتى يقع الضحية فريسة الحمى لتفتك به الأمراض ويظل يشكو الحال إلى من لا ينفعه في شيء والغريب في الأمر أن ذلك استمر لفترات طويلة ولم يحرك أحد ساكناً حتى تجرأ البعض منهم لبث ذلك علانية وبكل صفاقة وجرأة .
مـرت في هذه السنوات الخمس من أوبئة الثراء السريع من المآسي والفواجع ما لم يمر في خمسين سنة سابقة ولم تكد تخلو مدينة سعودية من مشكلات تصغر أو تكبر بحسب قوة انتشار محفزات نشر الأوبئة ووجود وسائل تحتمي بها أو تركن إليها، ولكن الناس ينسون بسرعة أو أن مناعتهم في هذه الجوانب ضعيفة لا تصمد أمام شدة وصلابة العوامل المسببة للوباء.
وكـان المفترض أن تكون هناك جهات ذات شأن إما لمنع هذه الأوبئة من التوسع أو للتخفيف منها، ولكن سياسة رأس المال المعتادة (دعه يعمل ...) كانت المهيمنة حيث تحقق لهذه السوق في هذا المجال ما لم يتحقق لسوق أخرى ـ ربما ـ في العالم من أن تكون سوقاً حرة بالكامل كما أن ألبانيا كانت ذات يوم المحضن المحض للشيوعية بحذافيرها، ولم تفلح أصوات الناصحين من المخلصين والغيورين بأخذ أسباب الوقاية من وباء الثراء السريع لأنه مصيدة توصل إلى الفقر السريع، ولا يقاس على الحالات الاستثنائية فهي غير خاضعة لحكم.
إلا أن بعض البرامج التليفزيونية المسلّيه قامت بدور إيجابي في هذا المجال حيث استطاعت بأسلوبها الساخر أن تفتح عقول الناس وقلوبهم على المشكلات الناجمة عن عدم انضباط هذه التصرفات وعن النتائج المؤسفة التي آلت كثير من المساهمات الاستثمارية من عقارية وغير عقارية والخدع والحيل التي يلجأ إليها القائمون على مؤسسات تبتز الناس وتمارس عليها ألوان الكذب والغش والخداع ومن أفضل من أسهم في هذا المجال وعلى مدى سنوات برنامج "طاش ما طاش" .
وحيــن انكشف أمام البعض أمر هذه الخدع وجدوا في سوق الأسهم مجالاً منظماً منضبطاً يخضع من الناحية النظرية لإشراف جهات رسمية ذات مسؤوليات واضحة فاقتحموه ولكن بنفس الروح السابقة ووجد أصحاب الحيل والخداع مجالاً جديداً أمام الإقبال الكبير والأموال الكثيرة المهاجرة إلى هذا السوق الصغير، وبدأ السوق ينتفخ والمؤشر يطير، والآمال تتصاعد والأحلام تتعاظم والنشوة تزداد والسكرة تحكم قبضتها .
وأنشــئت هيئة سوق المال وهي خطوة ضرورية ولازمة وكان لابد من تدخل أو تثقيف أو تنوير يفوق في الحد الأدنى ما أسهم به برنامج "طاش ما طاش"، ولكن كان الأمر يقتصر على القوس والسهم والإعلانات التي لا يفهمها إلا الراسخون في سوق المال، أما أولئك البسطاء المخمورون بثراء سريع فأنى لهم أن يفهموا شيئاً من تلك الصفحات الإعلانية الفائقة الذكاء والإعداد والإخراج، وكان لابد للبرنامج الرمضاني من دور فكان، واستطاع من جديد أن يوقف المشاهدين على ألوان من الحيل والتلاعب الذي أخطأ البعض في تسميته بالمغامرة أو المخاطرة أو المضاربة ولكنها ليست من ذلك في شيء بل هي السرقة التي يخطط لها من يبيتون إيقاع آخرين في مطبات الأوهام، وإلا فإن حديث الأرقام أبسط بكثير من غيره وإن الهيئة قادرة على أن تتعامل مع الأرقام بذكاء.
مــاذا عن الإجراءات الجديدة ؟ إنها وصفة مؤقتة سوف تكون لها آثارها لفترة محددة وسوف تتفاقم المشكلة حال خروج بعض من استغل الفرصة ودخل السوق بحجم كبير لجني الأرباح الكبيرة في وقت قصير على حساب آلاف البسطاء ، إن تلك الإجراءات لن تفلح في تغيير هيكلية السوق ما لم تكن هناك أسهم جديدة وشركات جديدة وتوعية فاعلة، والناظر إلى حركة السوق في الأيام الأخيرة يجد ذلك واضحاً حيث ازداد الضغط على أسهم شركات وانصرف الاهتمام عن أسهم شركات أخرى ووضح الآن الاستثمار الجيد والاستثمار الرديء، وهي بداية الوعي الذي دفع الكثير من الناس حياتهم أو مدخراتهم أو استقرارهم ثمناً له، وقد يؤدي ذلك إن لم يتم التدارك بأسلوب حكيم مسئول ذي أثر بعيد إلى مشكلات تؤثر على الاستقرار العام اجتماعياً واقتصادياً وأمنياً.
وقـد يبدأ علاج المشكلة بالمحاسبة خصوصا لذوي الاختصاص والمسؤولين الذين استغلوا مراكزهم العملية وسعوا بقوة لتغليب المصلحة الخاصة على المصالح العامة وحققوا أرباحاً خيالية وثروات طائلة في سنوات محدودة من مصادر لا تتفق مع الحس الوطني والأعراف المهنية ناهيك عن الضوابط الشرعية.

إنهــا سوق تحتاج إلى من يديرها بكفاءة ويتحمل التبعات

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011