عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
موطئ قدم: لعقل أو روح أو جثمان
الوطن في 13/2/1427هـ - الموافق 13/3/2006 م

لا تكاد تغيب عن باله طرفة رواها زميل دراسة من بلد مجاور حينما كان في بلاد الغربة من أن شخصاً كان لا يشتري الصحف وإنما يتناول الصحيفة من أقرب شخص إليه في المقهى أو العمل فينظر سريعاً في الصفحة الأولى ثم يعيدها إلى صاحبها، مما أثار فضول أحدهم فقال له: أراك تنظر إلى الصفحة الأولى ثم تعيدها قال: إنما أبحث عن خبر وفاة شخص ما، فرد صاحبه ولم لا تبحث في صفحة الوفيات فقال: لأن من أبحث عنه لا يظهر إلا في الصفحة الأولى !!!
وقبـل أيام خرجت علينا إحدى صحفنا بخبر في الصفحة الأولى مرفقاً بصورة تغني عن ألف خبر تعتذر فيه مقبرة في مدينة رئيسية عن عدم قدرتها على استقبال موتى جدد لعدم وجود أماكن في المقبرة، وهو خبر يحمل في طياته ألماً مريراً وربما سروراً، فالموت ضيف يخشاه الجميع، والقبور والمقابر يثير ذكرها الوحشة والفزع في نفوس الكثيرين، وقد يشعر المفرطون في الأمل بأن عدم وجود قبور ربما كان إيذاناً بطول حياة حتى يتم العثور على قبور تفي بالمتطلبات.
والخبــر والصورة والإعلان تملك من المبررات ما يجعلها تحتل مركز الصدارة في الصفحة الأولى لِواحدة من صحفنا الرئيسية، وقد ألف الكثيرون عبارة "كلام جرايد" فلم يستوقفهم هذا الأمر طويلاً، أو أنهم ألفوا المآسي فأصبح أكثرها إيلاماً أخف بكثير مما ينتظرونه، ومن باب تداعي المعاني فقط يرتبط هذا الإعلان والخبر بما رواه أحد الثقات عما سمعه عن مسؤول رفيع المستوى "بأنهم لم يبقوا على الأراضي" !! حتى أننا قد لا نجد لبعض المدن مقابر يدفن الناس فيها موتاهم إلا في الصحراء.
والســؤال هنا لا ينصب إلى عدم الإبقاء على الأراضي لكن على السياسات التي تعتمدها الجهات المعنية في الدولة بمرافق تعتبر ضرورية للناس ضرورة الماء والهواء مثل المساجد والمدارس والمقابر، فالأولى للعبادة والالتقاء على سبل الخير والمحبة والتواصل الإيجابي، والثانية لتحصيل العلم وبناء العقول والأفكار والمعارف والاستعداد للإسهام في البناء والتنمية وإعداد الأجيال والثالثة حتى يرتاح الناس الأحياء والميتون، فلا يجد الأحياء أحزاناً تحاصرهم أمام عيونهم أو (جيفاً تزكم بروائحها أنوفهم)، والميتون يرتاحون أو يريحون تحت التراب لمواجهة ما كان ينتظرهم من خير أو شر.
وحيـــن نرى أن حال الأراضي التي تبنى عليها المدارس الحكومية يثير التساؤل ويبعث على الكمد والحزن حيث تعجز الوزارة عن الحصول على أراض تبنى عليها مدارسها، كما إنها تعجز عن توفير المبالغ اللازمة للشراء إلا عبر عقود من الزمان، وكان يمكن توفير الأراضي الحكومية بأن تستقطع من الهبات ما يسمح بإقامة المدارس وتسلّم للوزارة قبل أن تذهب المنحة إلى صاحبها، وبذلك يمكن توفير هذا المرفق بعيداً عن المساس به.
والمســاجد جديرة أيضاً بأن تنال من الاهتمام بتوفير أراض لها إما لتقيم عليها الوزارة مساجدها أو ليجد الراغبون في التقرب إلى الله ببنائها أراض في أماكن مناسبة في الأحياء السكنية، ويلاحظ في هذا الخصوص ما لوحظ من ندرة أو عدم توفر هذه الأراضي، حيث اضطر بعض الراغبين في التطوع ببناء مساجد إلى الإعلان في بعض الصحف عن رغبتهم في توفير أراض لبناء مساجد عليها نظراً لأن الوزارة لا تملك هذه الأراضي.
غريبــة هذه النفوس التي لم تعد تمتلك الحس الذي لا يسمح لها أن تفكر قليلاً فتعرف المساحات التي يحق لها أن تتصرف فيها، وأن ترسم بذلك حدوداً لما يمكن الوقوف عنده أو الرجوع عنه، إنها حياة تستحق أن يسعى الناس فيها بالخير دائماً وأن يكونوا أبواباً للخير دائماً، حيث أن المقام فيها مهما بدا طويلاً قد لا يتجاوز حين تتحقق النهاية ثواني معدودات يجد الإنسان نفسه فيها أمام مصير كان يحرص طول حياته على أن يهرب منه وأن يتعمد أن يغمض عنه عينيه وكأنه يخص آخرين لكنه لا يتعلق به من قريب أو بعيد.
حيــن يعجز المجتمع ممثلاً في إداراته الحكومية المكلفة بذلك عن توفير مكان يشبع عقل الإنسان فكراً ومعرفة، ويشبع روحه خشوعاً وشفافية ويكفيه عند الموت ذل البحث عن مساحة لا تصل إلى مترين من الأرض اليباب، فإن النفوس قد غشاها الكنود وحاصرها الطمع وأخذ منها الحرص القاتل كل مبلغ وأصبحت الحياة موحشة مفجعة بائسة.
وطــالما أن الكلمة اليوم للأسهم بين بهجة المؤشرات الخضراء ووحشة الأخرى الحمراء، فلم لا تتفق أذهان النابغين عن تأسيس "شركة الأحياء للأموات" مهمتها إنشاء وإعمار المقابر ويكتتب فيها الراغبون في ضمان مكاسب وتحقيق أرباح، وما الذي لا يفتح الباب واسعاً وهو يستوعب من خلق الله الكثير ممن طاروا وراء أحلام: سوا والتمر والبيض والتبن ... وأشياء لا قيمة لها إلا حين يغيب العقل ويتحكم المجهول، وهل هناك أحسن وأنجح من الفوز بمكان مضمون حين تأتي لحظة النهاية لكن السؤال الكبير أين ستكون هذه النهاية إلا إذا تم تحقيق خدمات تبادل على غرار خدمات الجوال وعلى وزن تداول التي ينتشي لها المغرمون بالأسهم إن لم تكن هناك جهات مهمتها توفير أراض لهذه المرافق المهمة وحمايتها والحرص على أن تستخدم في الأغراض المخصصة لها أرض المدرسة للمدرسة فقط وكذلك المسجد والمقبرة، فمتى يفرح الناس بإنشاء هذه الإدارة حتى يشعروا أن أجيالاً تأتي من بعدهم وقد تحقق لها شيء من الخدمات التي حرموا منها وفاز بها آخرون في حساباتهم البنكية.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011