عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
وهل يظللن مستباحات الدم
الوطن في 29/1/1427هـ - الموافق 27/2/2006 م

لا تغيب عن ذاكرته قصص صاحبه القديم الذي كان يتولى إدارة مرفق نقل عام وهو يحدثه عن معاناته في شأن النقل من حيث صيانة المركبات وجودة قطع الغيار ــ وخاصة الإطارات ــ وكفاءة السائقين وسلامة الطرق وحس نظام المرور ورجاله.
وكــان يحسب وهو يستعيد قصص رفيقه القديم أن الأيام كفيلة بعلاج هذه الأمراض والقضاء عليها أمام تعاقب مسؤولين يقوم بعضهم أمام صحوة ضمير أو فطنة مدير أو حنكة ذي قرار بالالتفات إلى مشكلة من المشكلات ودراستها دراسة قريبة المنال بعيدة الآمال توصل إلى بر أمان في شأن يعتبر جزءاً من تركيبة الأمن الاجتماعي والاقتصادي والنفسي والوظيفي.
ولــكن الأيام لا تسعف دائماً بحلول، ولا يجود تعاقبها برجال يقفون مواقف تحسب لهم في سجل بناء الأوطان وصيانتها من الإهمال وحمايتها من ذوي المطامع القريبة والمصالح الأقرب، فإذا المشكلة تتفاقم وإذا الحوادث تزداد وتيرتها على نحو يلتهم كل يوم العديد من الأرواح ويقذف بالعديد من الأجساد التي تحتل أسرة بيضاء احتلالاً أثقل من احتلال الإدارة الأمريكية المتصهينة للعراق وأطول من احتلال الصهاينة لفلسطين ولكنه احتلال دون احتلال فهذا احتلال عجز وشلل وذاك احتلال غطرسة وبطش.
مــا الذي يجعلنا نسكت على هذه المأساة ونحن الذين لا نسكت أحياناً إذا حركتنا جوانب أخرى من المأساة، ما الذي يجعلنا ننظر إلى هذه المشكلة تتفاقم وتتفاقم دون أن ننادي بأعلى أصواتنا حتى يمارس المسؤولون حداً أدنى من الواجبات وينقذوا ما يمكن إنقاذه من أرواح تلقفها الموت وأجساد تلقفتها الجراح والكسور وألوان الضمور.
أهـــو اليأس الذي يجعل الإنسان ينكس رأسه أمام واقع غير قابل للتغيير؟ أم هو العجز عن التفكير في أمر يزداد سوءاً يوماً بعد يوم فيلازم الذهول كل سبيل إلى التفكير ؟ أم هو الخوف من أن تغييراً قد يحدث مصائب أكثر ويحصد أرواحاً أكثر ويفتك بأجساد أكثر ؟
والذيــن تحصدهم محرقة الحوادث فئات شتى من قطاعات المجتمع ولكن بعضها يملك بديلاً أو خياراً في أن يكون مرشحاً للمحرقة أو لا يكون إما بعدم قيادة السيارة بسرعة جنونية أو بعدم التسكع وتتبع فضاءات التفحيط والتسكع ومغامراتهما أو باختيار نمط من القيادة ومسارات الشوارع والطرق والأوقات التي لا تشهد ذروة حوادث مميتة ولا يغلب أن يكون لها آثار قاتلة، والتجربة والمشاهدة لها وزنها في تحقيق نتائج في هذا الشأن.
لكـــن الفئة التي لا تملك ذرة من قرار ولا فرصة من اختيار هن معلمات كتب الله أن يعملن في سلك عمل هو من أفضل الأعمال وقربة من أجلّ القربات ذاك هو التعليم، وهي وظائف يلقين في سبيل الحصول عليها كل عناء وتكاد تكون الوظيفة الواحدة منها من خامس المستحيلات حتى إذا ظفرت إحداهن بوظيفة في منطقة نائية شدت إليها الرحال وبذلت في سبيل الوصول كل نفيس وغال، وأصبح الهدف الكبير تحقيق الحلم الكبير، وتحطمت أمام قوة الإرادة كل صخرة وهانت كل عقبة وما بقي إلا السفر والسهر والغربة والضجر والبحث عن زميلة أو أكثر أو عن قريبة أو قريب يشاطرها رحلة جهاد هي أجلّ وأعظم وأنفع ألف مرة من أعمال من يطلقون على أنفسهم الجهاديين في بلادنا وبلاد المسلمين ممن يستهدفون إخوانهم وأخواتهم وآباءهم وأمهاتهم ومرافق بلادهم.


تبــدأ الرحلة وتكاد لبعضهن تنتهي في أول يوم أو شهر أو سنة، أمام أخطار تجاوزتها قوانين الاحتمالات وأصبحت في حكم المؤكد اليقيني، ومن شاء أن يعرف شيئاً من ذلك فليقرأ قصص هؤلاء العظيمات اللاتي لم تقعدهن هذه المصائب عن طريق عظيم، بينما أقعدت شباباً كثيرين عن طرق أكثر سهولة وأعلى دخلاً وأبعد عن كل خطر.
إنــها قصص موت محقق أو شبه محقق لمن خرجن ليصنعن الحياة في أعلى قيمها وأعظم مراقيها، ولكن أمامهن سائقين كأنهم الشياطين المرسلة لا يحملون إقامات ولا يحملون رخص قيادة ويقودون مركبات تحتاج إلى خبرة طويلة وممارسة متصلة وشعوراً بالأمان وإحساساً بالاطمئنان وارتباطاً بأسرة ومجتمع وحياة تجعله رجل مسؤولية ورحمة وقرار سوي.
واللـوم لا يقع هنا عليه أبداً بل على الذي سلمه الشاحنة وأطلق له العنان حتى يحصد أرواحاً آمنة ويغتال نفوساً مطمئنة ويقتل فتيات نذرن أنفسهن لعمل شريف وكسب نظيف وبناء جيل يصبحن له قدوة عطاء وبذل وجهاد، هذا الذي سلمه الشاحنة جدير أن يحكم عليه بالقصاص ليس مرة واحدة بل مرات عديدة حتى لا يفلت منه، ومن حق هؤلاء الشهيدات علينا أن نوجه أسئلة إلى الأجهزة المختصة ماذا فعلت مع هؤلاء المجرمين الذين يطلقون من يقتل نيابة عنهم، ونسأل أجهزة أخرى عن الطرق التي لو اضطر مسؤولون كبار وأصحاب قرار إلى السير على هذه الطرق لكان لها شأن آخر، ونسأل أجهزة أخرى لماذا لا تضع نقاط تفتيش لتصيد أمثال هؤلاء القتلة وهم كثر ونسأل .. ونسأل .. ونسأل .. حتى نحميهن أو نعذر !!
وأيــن أصحاب الملفات الصحفية والأدبية عن أحوال هؤلاء الشهيدات الأحياء منهن والميتات، لماذا لا يكون هنالك ملف صحفي سنوي يوثق معاناتهن ويكشف الستار عن جهادهن ويرسل إلى الجهاديين على مواقعهم في الانترنت والى صاحبات الأمسيات المخملية في المنتديات والمقاهي والفنادق حتى نعرف جانباً جميلاً مشرقاً في مجتمعنا في القرن الحادي والعشرين.
ولمــاذا لا تنشأ رابطة شهيدات العلم والمعرفة للدفاع عنهن قبل أن تطويهن صفحات النسيان، ولنحمي أخواتهن قبل أن تطالهن أيادي القتلة الذين يتربصون بهن إهمالاً وإغفالاً.
إنها دعوة تبحث عن صدى بعيد !!

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011